بدأت المصادر الرسمية الإسرائيلية مؤخراً تسريب المعلومات المخادعة بشأن مبادرة السلام العربية التي أطلقتها قمة الرياض العربية الأخيرة، زاعمة حدوث تحول سعودي عن المبادرة باتجاه تعويمها وإفقادها مضمونها، ومستندة في حيثياتها إلى نقد الموقف السعودي الساعي لإعادة اللحمة إلى البيت الفلسطيني من خلال المساعي الجارية التي تبذلها الرياض من اجل جسر الهوة بين حركتي فتح وحماس وإعادة الطرفين إلى طاولة الحوار، والتشديد السعودي على ضرورة إحلال الشراكة بين القوتين الفلسطينيتين الأكثر حضوراً ونفوذاً، وإعادة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية جديدة.

وترافق السلوك الإسرائيلي إياه مع حملة إعلامية إسرائيلية كبيرة ضد سوريا، بعد عام كامل من حرب يوليو العدوانية على لبنان، منسجمة مع تصريحات ايهود أولمرت السلبية العدوانية الأخيرة بشأن مستقبل المفاوضات مع سوريا، الأمر الذي أحدث تحولات ملحوظة داخل أوساط الرأي العام الاسرائيلي، التقطتها قوى اليمين الصهيوني التي تعمل الآن بزخم كبير على تحشيد الجمهور اليهودي خلف مواقفها المتطرفة.

وفي دفع جمهور المستوطنين الجاثمين على أرض الجولان السورية المحتلة للتشدد في مسألة إعادة هضبة الجولان السورية المحتلة كثمن لابد منه أمام أي استحقاقات سلمية مع سوريا. وكان المسؤول الثاني في الحكومة الإسرائيلية نائب رئيس الوزراء حاييم رامون والمحسوب على «اليسار العمالي الصهيوني» قد قال «إن إسرائيل قد تبقى إلى ما لا نهاية» في هضبة الجولان السورية التي احتلتها عام 1967.

وتشير فحوى نتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل المنشورة مؤخراً، إلى أن عدد الذين يقدرون أنه يوجد أمل في أن تتوصل إسرائيل إلى سلام مع الفلسطينيين ومع لبنان وسوريا في السنين الخمس القريبة أصبح الآن أمراً منخفضاً جداً، وعلى هذه الخلفية يمكن أن نفهم النسبة الضئيلة بين الجمهور اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 التي تتحدث عن سلام كامل مع سوريا، مقابل الانسحاب التام من هضبة الجولان (16% يؤيدون، مقابل 70 % يعارضون، أما الباقون فلا يوجد لهم رأي واضح).

هذه النتيجة تقوي المعطى الذي تم الحصول عليه في الاستطلاع السابق الذي أجرته مراكز البحث الهامة في إسرائيل، حيث كانت نسبة المعارضة (71 %) هي العليا التي قيست منذ عُرض السؤال لأول مرة في منتصف التسعينيات. في المرة السابقة التي سُئل السؤال فيها، في بداية يناير 2007، وقفت نسبة معارضي الصيغة عند 59% ونسبة المؤيدين عند 21%.

ويتبين من استطلاعات الرأي بأن سوريا ليست الجهة الإقليمية الوحيدة التي تتمتع باحتمالات سلام منخفضة معها فنسبة 10% من المستطلعين اليهود يعتقدون أنه يوجد احتمال للسلام مع الفلسطينيين في السنين الخمس القريبة، في حين يقدر نحو من الثلثين (64 %) الاحتمال كمنخفض أو منخفض جدا، وهو الحكم ذاته على ما يتصل بأمر السلام مع لبنان.

ومع ذلك، يوجد بين أفراد التجمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 أكثرية ممن يعتقدون أن السلام مع الفلسطينيين ومع لبنان ضروري لإسرائيل. بينما يرى 61% أن السلام مع الفلسطينيين ضرورياً، ويرى 54% بأن السلام مع لبنان كذلك. أما الصورة فيما يتعلق بسوريا فمخالفة قليلاً، حيث يرى 48% فقط يقدرون أن الحصول على السلام معها ضروري.

وبالتدقيق الرقمي من خلال عينة عشوائية نتجت عن استطلاعات الرأي في الشهر الماضي تحت عنوان مقياس السلام الإسرائيلي لشهر يونيو 2007، يتبين أن ثلثي العينة (63%) ينظرون بارتياب لمبادرة السلام العربية التي أطلقتها قمة الرياض بعد أن طُرحت عليهم أهم بنود الخطة، وقال (46%) من مجموع المستطلعين اليهود بأن المبادرة العربية يمكن أن تكون أساسا للمفاوضات حول السلام الشامل، ونفس العدد تقريباً قال إن على إسرائيل أن ترفضها فوراً.

وفي التدقيق الاستطلاعي والتحقق من العلاقة بين المعرفة المسبقة بالمبادرة العربية والموقف منها، فان (5 ,52%) سمعوا عن الخطة ويؤيدونها كأساس للمفاوضات، بينما يعارضها (41%) منهم. في المقابل قال (55%) ممن لم يسمعوا بالمبادرة العربية من قبل إنهم يعارضونها وأيدها (5 ,33%).

أما في صفوف العرب الفلسطينيين داخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، وحسب الاستطلاع المشار إليه، فقد سمع (44%) عن مبادرة السلام العربية، ولكن بعد أن طُرحت عليهم بنودها الأساسية قال (92%) منهم إنها مبادرة جيدة كأساس للتفاوض حول اتفاق السلام الشامل.

وفي سياق نتائج الاستطلاع إياه، يتبين أن مستوى الاهتمام مرتفع، (5, 69%) قالوا إنهم مهتمون أو مهتمون جداً، بينما قال (30%) إنهم ليسوا مهتمين أو مهتمين قليلاً بما يحدث. بينما توجد أقلية فقط من اليهود (18%) قالت إنها تبحث عن معلومات جديدة حول ما يحدث في العالم العربي من خلال وسائل الإعلام الأجنبية والانترنت.

وفي القراءة السريعة لنتائج الاستطلاع المشار إليه، نلحظ أن التجمع اليهودي في فلسطين المحتلة يتحول سلباً تجاه ضرورات ومتطلبات السلام، وينظر الآن للسلام وللعالم العربي بصورة متنوعة متباينة جداً يغلب عليها الطابع العدائي المتخوف من مستوجبات السلام الشامل القائم على أساس الشرعية الدولية.

وأن التباين والتنوع ينتقل تلقائياً بين الصف الأعلى والأدنى للقوى الحزبية الإسرائيلية، وكل هذه التحولات تشير إلى تواصل أزمات المجتمع الصهيوني بشكل عام تجاه مسألة السلام الحقيقي، كما في تواصل أزمات حكومة أيهود أولمرت قبل وأثناء وبعد تقرير لجنة فونوغراد.

وعليه، فإن اهتزاز الوضع الداخلي الإسرائيلي يتوقع له أن يتمدد متأرجحاً في ظل ظروف انعدام الرؤية والبرنامج الإسرائيلي تجاه العرب بشكل عام، فقد تعاظمت كثافة الضباب السياسي لسياسة أيهود أولمرت بشكل خاص وللقوى الإسرائيلية داخل وخارج الائتلاف الحكومي منتقلة إلى الشارع وقطاعات المجتمع الإسرائيلي، لتتسع نحو التجمعات اليهودية خارج فلسطين المحتلة وتحديداً في الولايات المتحدة وفي صفوف منظمة الايباك، خصوصاً بعد أن جددت الدول العربية عبر قمة الرياض تمسكها بمبادرة السلام العربية وفق خطوطها المعلومة، الأمر الذي زاد من إحراج حكومة أيهود أولمرت أمام العالم بأسره.

فالأرقام والنتائج المشار إليها تعطي صورة واضحة تتعلق بمسار الرؤية المجتمعية اليهودية التي تتشكل صعوداً وهبوطاً داخل التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية بالنسبة لمصير ومستقبل عملية السلام المنهارة أصلاً، خصوصاً مع الحراكات اليومية التي تتوالى ومازالت في المنطقة، من العراق إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

ومع هذا، لابد من القول بأن التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين ليس كتلة ستاتيكية ساكنة هامدة من الأعلى للأسفل، بل يخضع بالضرورة لعوامل التغيير، وعوامل الحياة اليومية كما تخضع المادة المعدنية لعوامل التأكسد بدرجات متفاوتة طبقاً للشروط القائمة ومعطياتها.

وعليه فان دولة الكيان الإسرائيلي ليست بعيدة عن التأثر بالعوامل الداخلية والمحيطة، والإقليمية والدولية، فبعيداً عن استفحال نزعات التطرف في إسرائيل، باتت كتلة نسبية يهودية ولو محدودة الفعل والتأثير، تطرح الأسئلة المتعلقة بالمصير النهائي لدولة إسرائيل وسط منطقة تعج بدولها وشعوبها التي توحدها عوامل كثيرة، بدءاً من المصير المشترك انتهاء بالأهداف العليا الواحدة.

وعليه، فان الأيام القادمة ستحمل معها تموجات متحركة في الرأي العام اليهودي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، مرة بارتفاع رصيد تيارات اليمين، وغلاة المستوطنين، ومرة بتساوي حضورها مع حضور قوى « اليسار الصهيوني » وهكذا هبوطاً وصعوداً، خصوصاً وأن ملفات كثيرة تنتظرنا في الصيف الحالي من مؤتمر بوش الدولي المتوقع انعقاده في سبتمبر القادم، إلى الوضع الفلسطيني، إلى الانتخابات الرئاسية اللبنانية، إلى الأوضاع العراقية المتفجرة كل يوم.

كاتب فلسطيني ـ دمشق