فجر تصريح بال كريشنان، السفير الهندي في المنامة، عاصمة البحرين حالة من الإرباك، والذي وقع كالصاعقة والديناميت، حتى كاد ذلك التصريح وبالون الاختبار، أن يفتت جبل الدخان في الجزيرة (جبل الدخان ارفع جبل في البحرين ارتفاعه 400 قدم) فاهتز عالم المال والأعمال، وعلى وجه الخصوص مقاولو الإنشاءات والبناء، فقد مسهم السهم في القلب قبل غيرهم، كما مس أجنحة وروافد الاقتصاد المحلي والخليجي. فماذا قال السفير الهندي لجريدة «الأيام» البحرينية حتى يهتز كيان المناخ الاقتصادي الداخلي بالاضطراب قبل وقوعه؟.

لقد كشف السفير عن وجود توجه لدى الحكومة الهندية عن قرب اتخاذ قرار يحدد وضع حد أدنى لرواتب العامل الهندي في البحرين والشرق الأوسط، وسيكون الراتب مئة دينار بحريني.

مثل هذا التسريب والتصريح قائم ومرتكز على جانبين، الوسط السياسي الرسمي والأهلي في الهند من جهة، والجانب الآخر حركية الاقتصاد الهندي وسياساته الدولية، التي يهمها التدقيق في اتفاقية الجات واحترام حقوق العمال في الخارج كعمالة أجنبية مما يعني أن أمام الحكومات الخليجية أيضا، مسألة النظر إلى حقيقة تصريح السفير بمحمل الجد، إذ الأمر ليس مسألة مزاجية أو تصريحات السفير مجرد أضغاث أحلام هندية !

كان واضحا قلق المقاولين قبل غيرهم من الفعاليات الاقتصادية الأخرى التي هزها التصريح فارتعشت فرائصهم كثيرا، فاستعانوا بحكوماتهم لعلها تضع متاريس الحماية السياسية والتشريعية وبحماية ما سمي بالاقتصاد الوطني المعرض للأضرار الناجمة عن ذلك القرار، فيما لو تم تفعيله والضغط في اتجاه التنفيذ، بصورة جدية لا فكاك منها.

كل ما فعلته وزارة العمل البحرينية، وعلى لسان وزيرها الدكتور مجيد العلوي، أنها وجهت رسائل لسفارات ثلاث، الباكستانية والهندية والفلبينية، تستنكر وترفض تلك التصريحات بلغة دبلوماسية، ومن جانب آخر قال الوزير، إن هناك اتفاقا خليجيا بعدم السماح للدول المصدرة للعمالة فرض قوانينها على دول مجلس التعاون. وان مثل هذا القرار سيحفز دول التعاون على استيراد عمالة أجنبية من دول أخرى في شرق آسيا !!.

وإزاء ذلك التصريح، الذي بلبل الدبلوماسية الآسيوية، كان على السفارة الفيلبينية أن تعلن عن الحد الأدنى في عقودها، للعمالة الفلبينية التي لا يقل فيه اجر العامل عن 400 دولار أميركي، والتي يصل عددها في البحرين ما بين 30-35 ألفاً، يعملون في مختلف القطاعات، فأبدت السفارة نوعا من الليونة والغزل، وكأنما الموضوع يهم الحكومة الهندية أكثر من غيرها، والتي كانت منذ وقت طويل، تواجه ضغوطات وانتقادات داخلية ودولية، إزاء التراخي في الدفاع عن حقوق عمالة بلدانها.

ولم يأت حديث السفير الهندي من فراغ، فقد تراكمت شكاوى وتجاوزات قانونية، مارسها أرباب العمل في بلدان مجلس التعاون، وتحديدا في قطاع الإنشاءات. وانطلاقا من قانون رقم 19 لسنة 2006 الصادر في مملكة البحرين، والمتعلق بشأن تنظيم سوق العمل، فإن السفير والحكومة الهندية حركت المياه الراكدة.

في اتجاه تطبيق وتفعيل الهيئة المنظمة لذلك السوق، بما فيها مسألة حقوق العمالة والعقود، والحد الأدنى للأجور وتحسين ظروف العمل. فإذا ما حدثت تحسينات طفيفة تذكر، فان التلاعب واللف والدوران والخروقات، لا تزال سارية، مما يجعل منظمات كمنظمة هيومن رايتس وغيرها، تسارع بعرض تقريرها السنوي الفاضح، عن وضع العمالة الأجنبية في الخليج.

وتنطلق حجج السفارة الهندية حول قرار الحد الأدنى للأجور، من انخفاض سعر الدينار البحريني، وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. كما ترتكز على متغيرات داخلية، متعلقة بتنظيم سوق العمل، خاصة عندما حددت البحرين راتب المئتي دينار كحد أدنى للعامل البحريني، فهل بالإمكان التغاضي عن وضع العمالة الأجنبية، لمجرد أنها عمالة مستوردة ؟! وينبغي أن تكون متدنية ورخيصة للأبد، دون الأخذ بمعايير المتغيرات الاقتصادية في السوق، في وقت تجني فيه دول المنطقة عوائد هائلة من ارتفاع أسعار النفط.

مثل تلك المعطيات تدفع بالضرورة حكومات ومؤسسات الدول الأخرى الديمقراطية، بما فيها البرلمانات والمجتمع المدني، بالتحرك والدفاع عن حقوق شعبها وعمالتها في الخارج. وتكمن في القضية المثارة حاليا مسألتان، ربما لا يمكن الإغفال والاستغفال عنهما لدى صناع القرار في مجلس التعاون الخليجي، الأول أن تلك العمالة مرتبطة بضغوطات وسياسات بلدانها، والثاني السياسات المرتبطة بالاتفاقيات الدولية في عصر العولمة.

لهذا لا بد من البحث عن صيغة تسوية عادلة تضمن حق الطرفين، إذ علينا أن ندرك بكل وضوح أن التعاقد في عصرنا، هو تعاقد حر بين البائع والمشتري، فليست قوانين المجتمع العبودي نفسها بقوانين الرأسمالية التقليدية أو الرأسمالية في آخر تجلياتها الرأسمالية المعولمة باتفاقيات لا يمكن الهروب منها، وبعدم احترامها والالتزام بنصوصها ومواثيقها الدولية.

ووفق الإحصائيات الرسمية في البحرين، فان العاملين الأجانب في قطاع الإنشاءات، تتراوح أجورهم ما بين 30 دينارا و90 دينارا شهريا. ففي نهاية عام 2005 أصدرت الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية تقريرها الإحصائي وبالتفصيل، حيث اظهر أن 50 ألف عامل أجنبي يعملون في البحرين برواتب تقل عن 50 دينارا شهريا، وأن 110 آلاف عامل أجنبي لا تتجاوز أجورهم 99 دينارا.

ويعمل هؤلاء الأجانب ساعات عمل تفوق البحرينيين بست ساعات أسبوعيا، وان 19% من هؤلاء العاملين عقودهم غير دائمة، و4% منهم يعملون بلا عقود أصلا !! ويبلغ العدد الإجمالي للعمال الأجانب في البحرين وفق الإحصائية نفسها ما يقرب من 190 ألف عامل حسب مسح المنشآت الذي أعدته هيئة تنظيم وقت العمل.

ويلخص المراقبون والمهتمون ظروف وأوضاع العمالة الأجنبية في البحرين، بأن جوهر مطالب العمالة الأجنبية، والتي فجرتها السفارة الهندية كمقدمة لحوارات ومفاوضات عسيرة قادمة، تكمن في جانبين أساسيين، هما تحديد الحد الأدنى لرواتب تلك العمالة نتيجة موجة الارتفاع الجنوني في المنطقة ـ وبلا ضوابط وتسيب مريع ـ كما أن العمال الأجانب يحتاجون لقانون صارم يحمي حقوقهم من أرباب العمل.

المعضلة ليست ظاهرة طارئة، فرضتها المتغيرات الدراماتيكية، وإنما حقيقة ظلت كامنة تحت سطح الماء الراكد، ظلت كرأس جبل الجليد الذي أذابته حرارة الطقس القاتلة، لعمالة تعيش اقرب للعبودية منها لعصر الحريات والتفاوض الحر بين طرفين. ما لم يذكره وزير العمل البحريني، ان التلويح بتبديل العمالة من بلد إلى آخر آسيوي، قد لا يحل المشكلة إلا بصورة مؤقتة، طالما أن الموضوع بات موضوعا دوليا، وليس مجرد فقر وحاجة ماسة للعملة الأجنبية، وغيرها من خطابات سياسية واقتصادية تهالكت وتآكلت مع الزمن.

فهل ندفن رؤوسنا كالنعامة، أم ننتظر مطارق عالمية فوق الرأس يستوعبها أرباب العمل عندنا قبل الحكومات؟

كاتب بحريني