يعيش العالم العربي حالة يأس مزمنة تتفاقم مع الأيام وتوالي الحوادث. يزيد الأمر سوءاً بشكل يومي عند الاطلاع على أية مادة إعلامية من المصادر التقليدية من جرائد ومجلات دورية وتقارير إعلامية إخبارية مسموعة أو مرئية. لا يتوانى الإعلاميون الجدد في إظهار الوجوه المثيرة للتشاؤم بما يصورونه في مهمة قرع نواقيس الخطر المحدقة بالأمة، وكل على طريقته الخاصة. أثقل الإعلام الأجنبي الخارجي والداخلي العربي كاهل متابعه العادي بشكل يهدد استقراره النفسي والمعنوي والعصبي وحتى العضوي الصحي.
المواطن العربي والحال هذه يعاني مما يمكن أن يطلق عليها التبعات السلبية للثورة الرقمية في عالم الإعلام والتواصل والاتصالات. حادثة تقع في أحد جوانب العالم التي تخص المواطن العربي يتناولها الإعلام بكثير من السلبية التي تشد انتباه الضحية وأحاسيسه ولمدة طويلة، مما يزرع في ذاكرة ذلك المواطن المغلوب على أمره بذور مآسٍ من الصعب التخلص من تبعاتها مع مرور الزمن.
التشاؤم أو «التعامل بواقعية» بحد ذاته مطلوب في مواجهة الحقائق، لأن ذلك يعني أن المختص بالأمر يبحث عن حل حقيقي شجاع أو جريء للتعامل معها وحل الإشكالات الناجمة. في الماضي القريب كان الإعلام الرسمي يغطي الأخبار بهالة مسكِّنة للخواطر، تقيم حاجزاً بين المواطن والمشاكل التي تحل به والتي كانت تصل إلى درجة الكوارث الوطنية والقومية والشعبية.
لكن الإتيان بالخبر اليقين عن أزمة شيء وإحداث جرح دام في العقل والذاكرة والإحساس والمعنويات شيء آخر؛ الأخير يؤدي إلى صرف المواطن معظم وقته قلقاً على الحوادث الطارئة والقادمة، مما يعيق عمله اليومي ويضعف إنتاجه إلى حد كبير.
يواجه المثقف والمسؤول والسياسي العربي الواعي الحالي تحديات خطيرة بسبب محاولته حل المشاكل المستجدة والطارئة، باستخدام مفاهيم وأساليب قديمة امتداداً للطرق القديمة التي كانت سائدة في القرن الماضي. ذلك ما يؤدي إلى الإفلات المستمر لزمام الأمور والحلول من بين يديه ووقوعها خارج سيطرته وتحكمه وبيد أعدائه؛ يبدو مثل مسافر متأخر بشكل دائم عن مواعيد انطلاق القطار. في هذا الصدد يلجأ المثقفون العرب وبشكل شبه دائم إلى التسلح بقوة المنطق والقانون، إلى درجة استجداء العون، في مواجهة ظواهر تدخل فيها سياسات المصالح وإدخال منطق القوة والصلف والعربدة إلى مسرح أو مسلسل الحوادث.
لم يستفد المثقف والمتعلم والسياسي العربي من النكسات التي منيت بها الأمة إبان الفترة السابقة الطويلة. في جانب آخر لجأ المثقف الثوري ومعه بعض الأنظمة السياسية المسيطرة إلى الاكتفاء بالطعن في مجريات الحوادث بتفسيرات قانونية هُيئ له أنها تمثل الحل الشافي الكافي وأن الطرف المعادي يتحمل مسؤولية الكوارث الناجمة.
حديثاً كثرت القضايا العربية المؤرقة، بعد أن كانت قضية فلسطين وما تمثله من جرح نازف بحدة في الجسم العربي تحتل المكانة الوحيدة الفريدة في ضمائر العرب حكاماً ومحكومين. أضيفت وتضاف عدة قضايا وبشكل مأساوي وصارخ، مثل قضايا العراق والصومال والسودان ولبنان وغيرها من القضايا.
في الحقيقة تكاد لا توجد دولة عربية واحدة إلا وترفد الواقع العربي المرير بمزيد من الهم. هذا إضافة إلى قضايا دولية أخرى تقض مضجع المواطن العربي، مثل القضية الأفغانية والباكستانية والإيرانية، ولاحقاً ربما التركية والأثيوبية وغيرها الكثير من قضايا دول العوالم الثاني والثالث والرابع. أصبح العقل والكيان العربي وكما يبدو هدفاً لهجمات شرسة مخطط لها بعناية، شاء معارضو نظرية المؤامرة أم أبوا.
إذن! التشاؤم والواقعية في التعامل مع الأمور شيء واليأس والاستسلام شيء آخر، الأول صحي وضروري في التعامل مع مشاكل الحياة، والآخر مضر يجب تجنبه لما يحمله من مخاطر تهدد كيان الأمة السياسي والثقافي حاضراً ومستقبلاً. إن ذكر أي شيء عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أمر يثير التشاؤم، لكن ذهاب البعض إلى اليأس من الواقع العربي والاستسلام لشروط العدو الغاصب لأمر يرفضه الجميع.
في الحقيقة فإن الهدف النهائي لمواصلة إحداث التشاؤم في العقل العربي هو حمل الأخير على اليأس والاستسلام والرضوخ لشروط الغطرسة والتجبر والسيطرة على المصير. الأمر ذاته بالنسبة للاحتلال الأميركي للعراق حالياً، ودول عربية وإسلامية أخرى ربما لاحقاً، أمر غاية في إثارة التشاؤم.
وصل الحد بالإعلام العسكري الأميركي والعربي المترجَم عنه إلى أن يأتي كل يوم بسلة مهينة عن أخبار الجيش في العراق وما يقوم به من قتل وحصار وتجويع للأطفال والشيوخ والنساء والرجال وتدنيس وتدمير للمقدسات والممتلكات. لكن ذلك أكثر مدعاة لمواجهة الواقع والتعامل معه بعيداً عن روح الاستسلام والهزيمة، تارة بمبرر التفوق العسكري الأميركي والمتحالف معه وتارة أخرى بسبب كثرة المتعاونين والعملاء وتكثيف التآمر من هذا الطرف أو ذاك.
إن نظرة، ولو سطحية للأمور، توضح أن الواقع العربي لا يدعو أبداً إلى ذلك المستوى من التشاؤم المفرط، ناهيك عن الاستسلام والرضوخ لشروط ونزوات قوى الغزو الغاشمة. في قضية فلسطين التقليدية للعرب فإن كلمة « هزيمة» أمام إسرائيل، قد أضيفت إلى العقلية العربية من المفهوم الإسرائيلي للحروب التي شنتها على العرب ونتائجها، ذلك المفهوم المدعوم غربياً بكل قوة. لكن أي مطلع أو غافل يعرف أن طرفاً مسلحاً في الحرب بشكل مطلق التفوق لا بد وأن ينتصر على مجموعة تقل عنها عدة وسلاحاً وعتاداً وتخطيطاً، وحتى عدد جنود أثناء القتال، بشكل خطير جداً.
لذلك ومن الأكيد أن إدخال كلمة الهزيمة على المجتمع العربي في حربه مع إسرائيل يأتي بهدف تدمير الشخصية والكيان العربيين. يتبع ذلك إلحاق « الهزيمة» النفسية والمعنوية الأشد سلبية وخطراً بالمواطن العربي العادي في مكان عمله وإقامته ونومه، وبغض النظر عن عمره وجنسه ومستواه الفكري.
الأمر السابق ينسحب على الحرب الأميركية على العراق وفي مناطق أخرى من العالم العربي والأماكن التي تخص العرب. لم يُهزم العرب عامة والعراقيون خاصة في الحرب، على العكس من ذلك خسرت الولايات المتحدة الحرب أخلاقياً وثقافياً وإعلامياً وحتى عسكرياً.
إن إدارة تضطر يومياً للكذب على نفسها وشعبها وعلى العالم من حولها، لهي في حالة شديدة من الخسران. دليل آخر على خسارة الحرب هو تصرفات الجيش وسلاح البحرية الأميركيين في مهاجمة ومداهمة الأحياء الشعبية في مختلف المدن والبلدات العراقية. أعمال من مثل المحاولات الأميركية الاستحواذ على عقود النفط طويلة الأجل مع حكومة يرعاها الاحتلال الأميركي، لهو دليل آخر على هزيمة الإدارة الأميركية سياسيا وأخلاقيا أمام العالم العربي.
التشاؤم واليأس العربيان في مجالات الاقتصاد والتعليم والتقنية والتعدين والتصنيع، يمكن التغلب عليه بسهولة فائقة. بخطة اقتصادية حقيقية شاملة لمدة خمس أو عشر سنوات تكفي لوضع العالم العربي على خط سكة قطار التنمية والتقدم الحقيقيين في مختلف المجالات. تبدو الخطوة طموحة في الواقع الحالي، لكن نظرة إلى العقلية والنفسية العربية تكفي لتثبت أن العربي لا يقل شأناً عن الشعوب الأخرى التي حققت قفزات نوعية في مجالات التقدم المختلفة. الأمثلة اليابانية والصينية والهندية والإيرانية الحديثة براهين وافرة على إمكانية نجاح هكذا توجه أو منهجية.
هذا إلى جانب امتلاك العالم العربي الثروات والقدرات والموقع الاستراتيحي، مما يجعله قادراً على تبوؤ مكانة مرموقة بين الأمم وبسرعة قياسية. ذلك ليس من قبيل أحلام اليقظة أو بهدف رفع المعنويات للمواطن في العالم العربي، الذي يبدو وضع النظام السياسي والإداري والاقتصادي فيه كما المريض في قسم العناية المركزة أو في حالة غيبوبة أو حتى موت سريري.
دليل آخر على قوة العرب الاستراتيجية والبشرية الهائلة الكامنة، هو توجه الأمم المعادية الأخرى، فرادى وجماعات، وصرفها طاقات وقدرات حاشدة لكبح جماح أي تحرك عربي قد يفضي إلى دولة « سوبر» عظمى تقليدية.
جامعة الإمارات
nasrin@uaeu.ac