بعد مضي عام على وصف وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس العدوان الإسرائيلي على لبنان ببداية المخاض لولادة شرق أوسط جديد، يمكن التأكيد أن هذا الوعد الأميركي ذهب أدراج الرياح إن لم يكن شبع موتاً، وأن الوزيرة محبطة إلى أبعد الحدود من عدم رؤية ولو ملمحاً واحداً صغيراً مما وعدت به بثقة حينذاك، عندما كانت إسرائيل تزج بكل قوتها العسكرية على أمل القضاء على المقاومة الوطنية اللبنانية.
وما يؤكد أيضاً موت هذا الشرق الأوسط الجديد هو أن الإدارة الأميركية لم تعد تتحدث عنه، وتجاهلته نهائياً، بعد أن كانت «تبشر» به صباح مساء قبل وأثناء العدوان الذي شاركت إسرائيل به على لبنان في تموز الماضي، وإن تحدث عنه مسؤول أميركي فعلى الهامش، ومن باب المكابرة ليس إلا.
لقد انقلبت المعادلات بعد الهزيمة الإسرائيلية في لبنان، وبعد انكشاف المزيد من أدلة الاندحار الأميركي في العراق، وبات من الممكن التأكيد أن الأوضاع تتجه نحو الشرق الذي يريده أهالي المنطقة، الشرق العربي المتخلص من الاحتلالات والهيمنات الإسرائيلية والأميركية، القادر على مواجهة التحديات، الملبي لتطلعات شعوب المنطقة، أما الشرق الأوسط الأميركي فسيظل في عداد الأموات.
وهذا بالطبع لا يعني الركون والاستهانة بردّ الفعل الأميركي ـ الإسرائيلي على هذا الاندحار المزدوج، فالجانبان لا يزالان يعدان لجولات سياسية وعسكرية جديدة في المنطقة، ويدفعان باتجاه التوترات والمواجهات في العراق وفلسطين ولبنان، وهو ما يبدو واضحاً في التحركات والتحالفات الأميركية غير البريئة، ومنها جولة الوزيرة رايس الحالية في المنطقة التي تبدأ اليوم.
وقد تزامنت جولة رايس مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن الولايات المتحدة ستزيد مساعداتها العسكرية إلى إسرائيل بنسبة 25% لتصل إلى أكثر من 30 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهذا بحد ذاته يشكل إحدى العلامات البارزة لطريقة تعامل الإدارة الأميركية مع المنطقة وقضاياها، ويدفع لطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى إصرار بعض العرب على الاندفاع نحو أميركا، وإعطائها أكثر مما تطلب في ما يخص ردّ فعلها على الاندحار في العراق ولبنان.
ومع ذلك فكل شيء يؤكد أن لا مجالات إطلاقاً لنجاح هذه الجولات الأميركية الجديدة، فالممانعة تصلّبت، والأوضاع تبدلت، وكل ما على الأرض يقول: إن الزمن الأميركي في المنطقة ولّى.
