هذه دعوة للقائمين على الخارطة الجيوسياسية للعالم العربي للخروج إلى الناس والعلن وتبيان ما لديهم من أسباب ودوافع ومعلومات يروجون على أساسها لموجة «التفاؤل» السائدة، التي تؤذن، حسب رأيهم، بدنو حل وشيك لقضية العرب المركزية، المتمثلة بالقضية الفلسطينية.

هي دعوة صادقة حقا لا مكان فيها لأي تهكم أو سخرية، على الرغم من أن الاستجابة لها أمر مشكوك به، ليس لأن أحدا منهم لا يعلم حقيقة ما يجري فحسب، بل لأنهم ليسوا معنيين لا من قريب أو بعيد بمثل هذه «الهرطقات الشعوبية»، التي تحاول وتنشد الولوج إلى عمق الحدث والكشف عن خبايا الأمور، الأمر الذي لا ينسجم مطلقا وطبيعة النظام الرسمي العربي بمختلف مكوناته البعيدة في معظمها عن الشفافية والمصداقية في تحركاتها وممارساتها وتوجهاتها.

مما يستدعي الشفقة على كل متتبع لنشرات الأخبار اليومية، التي تحاول بدورها قول كل شيء وأي شيء ما عدا الحقيقة نفسها، كما لو أن هذا المتلقي المسكين محكوم عليه أن يلعب دور آخر شخص يعلم دائما، مع أن القصة برمتها هي قصته في المقامين الأول والأخير.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو: لماذا تشح الأقلام وتجف الصحف وتغلق الشفاه وتشل الألسن عندما يتعلق الأمر بضرورة إجراء استطلاع للرأي العام العربي عموما والفلسطيني خصوصا حول أي تحرك أو مبادرة ذات طابع مصيري يرقى إلى مصاف الحسم في قضايا لا تخص أحدا آخر بمقدار ما تخص أصحاب هذا الرأي، الذي يجب أن تكون له وحده الكلمة الفصل في كل ما يجري من تحركات يقال زورا وبهتانا إنها محاولات لحل القضية الفلسطينية؟

لكن الواقع السياسي المحيط بتلك التحركات ذات الطابع الدولي والإقليمي والعربي بما في ذلك الفلسطيني يشير بوضوح إلى أنها جميعا تفضي إلى خط نهاية واحد يشي بمحاولة تصفية القضية الفلسطينية وليس حلها ولا تسويتها، اللهم إلا إذا كان المقصود بكلمة تسوية هو تسويتها بالأرض بعد دكها دكا وجعلها خرابا يبكي الناس على أطلاله إن بقيت.

في واقع الأمر إن النشاط الدبلوماسي والسياسي وحتى العسكري الحثيث، الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، هذه الأيام، ما هو إلا عنوان فرعي لسياسة قديمة جديدة معتمدة في دوائر الكيان الصهيوني، وهي سياسة الاستفراد، التي استهلت مسيرها بتقسيم العالم إلى دول ومجموعات من الدول وراحت تستفرد بكل واحدة منها على حدة على غرار ما حدث عندما تم التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد مع مصر واتفاقية وادي عربة مع الأردن مما اخل بميزان القوى القائم في المنطقة العربية المنكوبة.

سياسة الاستفراد تلك انتقلت في الآونة الأخيرة إلى طور جديد أكثر خطورة وجسارة بكل المقاييس وعنوانه الاستفراد بفئة بعينها من فالفئات المكونة لهذا المجتمع أو ذاك، وإن لم يكن الأمر كذلك، فتحت أي عنوان تندرج الجهود المبذولة من قبل الرئيس الأميركي وإدارته وحكومة إيهود أولمرت وحكومات بعض الأنظمة العربية الرامية إلى دعم فريق فلسطيني بعينه على حساب فريق فلسطيني آخر.

لا حدود للمطمع الصهيوني ولعلنا لا نستبق الأحداث أو التوقعات إذا قلنا إنه سيأتي يوم ليس بالبعيد لنشهد حالات وأنماط استفراد أكثر تفصيلية قد تصل إلى حد الاستفراد بهذه المدينة أو تلك القرية أو هذا القطاع السياسي أو ذاك القطاع الاجتماعي، بحيث يتم تفكيك القضية الفلسطينية، على سبيل المثال لا الحصر.

وعزل مكوناتها الجغرافية الديموغرافية عن بعضها البعض ليستقر بها الحال في نهاية المطاف على واقع انعدام الهوية الوطنية تمهيدا لإطلاق رصاصة الرحمة عليها وتصفيتها بصورة نهائية من دون بذل كثير عناء من جانب الكيان الصهيوني، لأن هناك من يقوم نيابة عنه بهذا الدور على الضفة الفلسطينية والعربية.

bassil@albayan.ae