كشفت وزارة الداخلية العراقية عن إحصائية تتضمن عدد القتلى والمعتقلين الذين يحملون جنسيات عربية والمتورطين بتنفيذ عمليات مسلّحة، منذ سقوط نظام صدام وحتى الآن، وقد بلغ عدد القتلى 4000 شخص يحملون جنسيات مصرية وسورية وسعودية، فيما اعتقل 2400 صدرت بحق 1300 منهم أحكام بالسجن فيما ينتظر 1100 المحاكمة.

هؤلاء جميعهم من غير العراقيين، تركوا الوطن والأسرة والأهل وتخلوا عن العمل والتعليم والأمل وتسللوا إلى العراق للجهاد، شوقاً ل«ريح الجنة» وتلهفاً للقاء (حورها)!! ذهبوا لقتال الأميركيين وهم لا يعلمون شيئاً عن القتال، فلما وصولا لم يجدوا غير «الأحزمة الناسفة» خياراً، يربطها أحدهم حول نفسه ليفجر نفسه وسط أبرياء كادحين.

لقد بلغ الجنون والوحشية أن هؤلاء «المجاهدين» لم يراعوا حرمة أي شيء حتى بيوت الله والمساجد والحسينيات والمآتم وسرادقات العزاء والمراقد الدينية، فضلاً عن المطاعم والمستشفيات ومحطات الحافلات، ولم يتورعوا عن قتل النساء والأطفال وانتهكوا كل المحرمات حتى الصلب والتمثيل بالجثث وقطع الرؤوس أمام الفضائيات.

وإذا كان هؤلاء الذين قتلوا أو فجروا أنفسهم قد بلغ عددهم 400 شخص وهم من الشباب العربي المسلم، فكم يا ترى عدد ضحاياهم من العراقيين؟! لو اعتمدنا على أقلّ التقديرات فإن ضحايا كل تفجير لا يقل عن 10 من الأبرياء غير الجرحى، أي أن الحصيلة تبلغ 40 ألف عراقي قتلوا من غير ذنب على أيدي شباب عرب جاءوا للجهاد في العراق رغماً عن العراقيين ومن غير طلب منهم.

وتزداد الصورة بشاعة إذا أدركنا أن كل ذلك تم باسم «الجهاد» في سبيل الله و«مقاومة» المحتل!!

ترى هل مقاومة المحتل تبرر هذا القتل الجماعي للأبرياء؟! وبأي عقل وبأي دين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟ ولماذا يكون دخول الجنة على حساب قتل العراقيين؟!

هذا الجنون في القتل لا يقتصر على أرض العراق، فعصابة «فتح الإسلام» ما زالت تقاتل الجيش اللبناني باسم «الجهاد» والطلاب المتشددون في المسجد الأحمر قاتلوا الجيش الباكستاني باسم «الجهاد» وما زالت توابع المسجد الأحمر التفجيرية تحصد أرواح الأبرياء بالعشرات، والحوثيون في اليمن «يجاهدون» ضد الدولة ويقتلون من الجيش اليمني وهم يهتفون «الموت لأميركا وإسرائيل» والجماعة السلفية في الجزائر تقتل الأبرياء باسم «الجهاد»، وهكذا نجد وراء كل عملية قتل أو تفجير أو خطف للرهائن، جماعة دينية تبرر عملها ب«الجهاد»!! فهل هذا هو الجهاد المشروع في الإسلام؟!

واضح أننا نستنكر أن تكون هذه الأعمال الإجرامية جهاداً، فضلاً عن أن يكون مشروعاً، بل نراها جريمة مزدوجة: قتل النفس المحرمة، وقتل الغير.

لكن دعونا نتساءل: ما الذي جعل هؤلاء الشباب يعتقدون أن القتل والتفجير، يعد جهادا؟ لماذا أصبح مفهوم «الجهاد» مغلوطاً ومشوباً، وباسمه يقتل آلاف الأبرياء من مقديشو إلى كابل؟

إن هناك العديد من العوامل المتداخلة التي ساهمت في إنتاج هذا المفهوم العدواني للجهاد، من أبرزها:

1- منهج التعليم الديني والتربية الإسلامية عن «الجهاد»، إذ نلاحظ أن تلك الكتب تقول «الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة إذا اعتدي على بلاد المسلمين»، والشاب إذا قرأ ذلك ودون أن يعلم شيئاً عن الضوابط الشرعية للجهاد اعتقد أنه مطالب شرعاً بأن يذهب للعراق ليجاهد المعتدي هناك!

مؤلفو كتب التربية الإسلامية معذورون لأنهم هكذا نقلوا (فرضية الجهاد) عن الفقهاء القدامى، لكنهم غير معذورين في عدم ملاحظتهم أن ذلك (الجهاد العيني) الذي تكلم عنه الفقهاء كان مفهوماً ومنسجماً مع الوضع الذي كانت فيه بلاد المسلمين تشكل امبراطورية عظيمة وممتدة يحكمها خليفة المسلمين الذي يعلن الجهاد والنفير العام، ولكن بلاد المسلمين الآن ليست واحدة، وهناك حدود جغرافية وسياسية لكل دولة إسلامية أصبحت لها السيادة على أرضها وشعبها ومواردها، وهناك اتفاقيات دولية تحترم تلك السيادة.

فكيف يجوز للشباب التسلل لاختراق الحدود بحجة «الجهاد» رغماً عن الدولة؟ ثم من الذي يقرر أن هذا الغزو الذي وقع عدوان أم غير عدوان؟ هل هم شعب العراق ممثلاً في أغلبيته أم الأقلية أم من هم خارج العراق؟ لماذا لا يكون ذلك «الغزو» الأجنبي عوناً لتحرير الشعب من حاكمه المستبد أو تحريراً للبلد من الجار المسلم المحتل ـ الكويت ـ أو إنقاذاً لشعب مسلم من الإبادة كما في «كوسوفو»؟

مشكلة هذه الكتب أنها تتجاهل واقع المجتمعات الإسلامية المعاصرة وأوضاعها المغايرة تماماً للأوضاع التاريخية القديمة للمسلمين والتي تم في ظلها الاجتهاد الفقهي، ثم هناك «المنهج الخفي» الذي خطف المنهج الرسمي وأساء للجهاد.

2- الفتاوى التحريضية التي كانت لها الدور الكبير في دفع الشباب للجهاد وفي تشويه مفهوم الجهاد وتحويله إلى مصدر فتنة عظيمة سببت آلاف الضحايا الأبرياء. مما جعلت المسلمين يختصون بما يسمى ظاهرة «تلغيم البشر»، و«انفجار الإنسان»، ومن تلك الفتاوى التي أدت إلى سقوط آلاف العراقيين فتوى «من له علاقة بالمحتل الأميركي يقاتل»، أي أن الحكومة العراقية بموظفيها ووزرائها وجيشها وشرطتها فضلاً عن الخدم والسواقين لدى المحتل، كلهم مستهدفون!!

هؤلاء يحرضون وبيوتهم على فراسخ من قواعد أجنبية!! نحن لا ننكر دور التحريض في رفع الروح المعنوية، ولكن دور بعض المشايخ في التحريض إنما يأتي بعد دور الحاكم في إعلان الجهاد. ثم انه ليس من حق المشايخ، خارج العراق التدخل في الشأن العراقي ويجب عليهم احترام مشايخ العراق وهم أدرى بشؤونهم، وإذا كانت دولنا الخليجية حريصة على استقرار العراق وهي تمنع سفر الشباب للجهاد بل وتحاكمهم فكيف يجوز للمشايخ التحريض؟! التحريض على الجهاد له ضوابط شرعية معروفة، من أهمها موافقة ولي الأمر وإلا كانت الفوضى والإضرار بالصالح العام.

3- متعهدو أو وكلاء الجهاد الذين يوردون المجاهدين وينقلونهم من جهة لأخرى حسب رغبة الممول الكبير، وقد ثبت في تقرير لجنة حقوق الإنسان السعودية التي زارت مخيم نهر البارد أن السعودي المشارك في القتال بيع بـ (3) آلاف دولار للفرد.

الآن، كيف نعيد للجهاد الإسلامي اعتباره؟ ذلك يكون بأمرين:

أولاً: مراجعة وإعادة النظر في المحتوى المعرفي للجهاد على ضوء معطيات العصر والعلاقات الدولية وواقع المجتمعات المعاصرة ومقاصد الإسلام العليا والاتفاقيات والدساتير.

ثانياً: محاسبة مشايخ التحريض، المحرضين للشباب والمتسببين في هلاكهم وهلاك الآلاف من الأبرياء، وذلك يكون بإصدار تشريعات وطنية تجرم هؤلاء.

كاتب قطري