في نقاش حاد حول الدول العربية والى أين سوف ينتهي بها المطاف وهي تعاني من أزمات تلو الأزمات، كان لابد من الإشارة إلى تلك الأمثلة المتباينة التي تعيشها تلك الدول والتي أصبح الكثير منها قابلاً للكسر أحياناً كثيرة. بعض الدول العربية يسبق الآخر في الوصول إلى مناطق من التخلف تكاد تكون فيها القضية غير محتملة، بل إن المهتمين بالتنمية يشيرون إلى مناطق خطرة وصلت إليها بعض دولنا العربية من حيث اهترأ الجسد الخارجي للثقافة الاجتماعية والسياسية، تلك الأمثلة من الدول تعاني من ترهل بيروقراطي عظيم صار يلتف حول بعضه ككومة من الأسلاك الشائكة التي يصعب فكها أو الفكاك منها، حيث وصل فيها الفرد إلى مراحل من اللاعودة إلى الواقع الطبيعي، لقد أصبحت الورقة بديلاً عن الإنسان في عالمنا العربي.

المشكلة العربية هي بين السياسة والمجتمع، السياسة ببعدها التشريعي والتاريخي والمجتمع بثقافته وبعده الفكري. ولكن المعضلة أن فلسفة عربية جديدة تحاول الإجابة عن سؤال يقول: أيهما يأتي أولاً في سببية المشكلة: السياسة أم المجتمع..؟ وهذا يذكرنا بالسؤال الفلسفي التقليدي أيهما أولاً الدجاجة أم البيضة؟

عالمنا العربي يغوص في مشكلات اجتماعية وسياسية كبيرة، ولكن لا أحد يعلم أين تكمن المشكلة وهذا واقع مؤلم. نحن ندعي معرفة الحقيقة ولكننا نجهل كيف نعرف الحقائق وإلا وجدنا لها الحلول.

قبل الحديث عن المشكلة السياسية وأبعادها دعوني أنقل لكم مثالاً بسيطاً على المشكلة الاجتماعية وكيف يتعاطى الإنسان العربي مع ثقافته: قدر لي أن أجلس بجوار رجل يعبئ نموذج وكالة لأحد أقاربه في دولة عربية أخرى، كانت الوكالة طويلة بالكلمات والسطور حتى حسبت أن الأخ يوكله على كل تلك الدولة بما فيها السكان والأرض.

وما لفت نظري في تلك الوكالة أنها احتوت على توكيل بالتصويت بالانتخابات ومشاركات في مؤسسات اجتماعية ومدنية، حتى أنني حسبت أن هذا الرجل ينتمي إلى دولة ديمقراطية من تلك الدول التي نسمع عن ديمقراطياتها وكأنها ضرب من الخيال. أدرت رأسي لكي لا أسمع المزيد من تلك القضايا الموكل بها، ولكن قضية الانتخابات أثارت شيئاً من فضولي وقلت:

جميل التزام الأفراد في المجتمعات العربية بالانتخابات وهذا بالتأكيد هو سبب وصول تلك النسب من الانتخابات إلى معدلات تفوق المتوقع، فالسبب بلا شك التزام الناس وذهابهم لمراكز الاقتراع، لذلك لم تخيب النتائج ظنهم فهم ينتخبون نفس الأشخاص في كل عام وهذه بادرة ديمقراطية نتميز بها نحن العرب عن غيرنا، حتى أصبحت بطاقات الانتخابات جزءاً من بيروقراطيتنا وليست جزءاً من حريتنا أو مشاركتنا السياسية. المثال الثاني ذو العلاقة الوثيقة بالبعد الاجتماعي القبلي والسكاني يتمثل في صدفة غير متوقعة.

فقد قدر لي أن أسافر برحلة على الطائرة وكان يهم بالجلوس بجانبي رجل كبير السن نظيف الثياب، من الواضح انه ينتمي إلى فئة بعينها أهدته هذه المكانة للركوب على الدرجة الأولى، كما منحني موقعي الوظيفي هذه المكانة بالركوب في هذه الدرجة، من الواضح أن هذا الشيخ لا يختلف عن مجتمعه العربي فهو حديث عهد بالتحضر وركوب الطائرات، بل اجزم أنه مازال يتصورها كجزء من سفينة الصحراء التي اعتاد ركوبها.

ما أن اتخذ مقعده على ذلك الكرسي الوثير وبدأ يتنفس بعمق تاريخه الاجتماعي القريب حتى استدعى المضيف وقال: رائحة طائرتكم تشبه رائحة الأغنام. قالها بعفوية وصدق، لا أعلم لماذا كانت هذه الكلمات قوية ببعدها الاجتماعي وهي تعانق مسامعي، عندها تأكدت أن الذي شم رائحة الأغنام على الدرجة الأولى في وسط طائرة بوينغ تمثل ثورة في عالم الطيران وشبهها برائحة الأغنام في الصحراء، ليس هو ذلك الرجل إنما هو تاريخ ذلك الشيخ الذي عجز عن أن يفارق حياته التي اعتاد عليها.

لقد أبى عقل ذلك الرجل وثقافته نسيان تلك الحياة، فضرب مثالاً حياً للفرد العربي أينما كان. فمن الواضح أن الثياب النظيفة ليست من معايير التحضر وقبول الآخر، فهناك معايير لم تصل بعد إلى رؤوسنا وعقولنا.

مثالان غريبان فأحدهما يكتب وكالة للديمقراطية التي لا تحدث أبداً، أما الآخر فيعكس رفضاً مباشراً للحضارة تتحدث عنه الحواس قبل العقل. فقد عجزت أدوات الحضارة والطائرات الحديثة عن اقتلاع التاريخ والثقافة من حاسة الشم لذلك العربي.

أين نحن في المجتمعات العربية؟ هل نحن نعيش الحاضر أم الماضي أم لا نعيش شيئاً أبداً..؟ سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا.

المشكلة السياسية هي أكثر تعقيداً من المشكلة الاجتماعية، أيضاً فنحن والإعلام نتحدث عنها أكثر مما نتحدث عن مستقبل أبنائنا. في عالمنا العربي تعيش سياستنا بين سطرين فقط، فهي إما ضعيفة أو فاشلة. ولكن أين الفرق بينها؟ الكل يستطيع أن يرى الفرق في المثالين اللذين شهدتهما بنفسي ولم اخترع أياً منهما، فكلاهما حقيقة شاءت الأقدار أن يرسما لي الثقافة العربية ومنهجياتها السياسية.

بكل بساطة العربي دائماً مكبل الفم يقال له دائماً ان الحرية هي «أن تحتفظ برأيك في رأسك». العربي دائماً لا يسمح له باستخدام حاسة الشم إلا في محيط ثقافته التي يعرفها فقط، لذلك فهو يشم رائحة إبله وأغنامه وخيله ومزرعته وتراثه. ولكنه لا يجوز له أن يشم رائحة الحرية والمشاركة السياسية فهذه الروائح نوع من العطور الغربية المحرمة على بني العرب. هذا هو السبب الذي جعل حاسة الشم لدينا نحن العرب تفضل التاريخ والثقافة لتختار منه روائحها العطرية بدلاً من روائح الحضارة وسماتها الثقافية.

لذلك إذا أردت أن تكتشف السياسة العربية فلست مجبراً أن تقوم بالتحليل السياسي والانتماء إلى معاهد الدراسات الاستراتيجية. كل ما عليك هو أن تصغي إلى الناس في الشارع لتكتشف كيف تسير دولنا العربية وكيف تسير شعوبها. التغيير في دولنا ثمنه كبير، لذلك فلن يحصل العربي على فرصة التغيير قبل أن يموت نصف جسده أو يصاب نصفه بالشلل، سواء جسده الثقافي أو الاجتماعي.

العالم العربي يعاني من نوعين من السياسة التي أنهكت قواه: سياسة ضعيفة عجزت عن الخروج من أزماتها الاجتماعية، وسياسة فاشلة أدت بهذا العالم إلى نواقض حضارية وتاريخية يدفع ثمنها عالم بأكمله. إن أكثر من سبعين مليوناً من الشباب العربي ينتظرون التصنيف العالمي الجديد لهم، فقد يحالفهم الحظ بأن يصبحوا من عجائب الدنيا السبع في تحمل الحياة والبقاء على الأرض لهذه الفترات الطويلة من الزمن، كما أن هناك أكثر من ذلك الرقم بكثير من الأطفال الذين ينتظرون المستقبل ويؤملون أن يذهبوا إلى المدارس وصفوف الدراسة، بدلاً من الذهاب إلى حظائر النفايات أو التسول للبحث عن لقمة عيش.

الحياة العربية ليست بحاجة إلى شرح ولكنها بحاجة إلى شرخ في مفاهيمها القائمة. فالسياسة العربية وبكل أسى إما سياسة ضعيفة ضلت الطريق ولم يعد لها بين شعوب الأرض سوى أنها تتنفس الهواء وتشرب الماء، أو سياسة فاشلة تقاوم النجاح وتجزم أنها على الطريق السليم.

وكل هذين النموذجين إنما يقدمان مزيداً من العودة إلى الوراء في حق الشعوب. المشكلة الأزلية التي تغيب عنا نحن العرب أن القوة ليست بالسلاح أو أعداد المدرعات. القوة بالإنسان ومهاراته وتربيته وتعليمه ومؤسساته الاجتماعية التي تستوعب طاقاته. القوة لم تعد تقاس بمعايير عسكرية. القوة اليوم هي في الاقتصاد القوي الذي يعرف كيف يستثمر الإنسان من خلال مؤسسات تربوية تمنحه مهارات الحياة والعمل، وليس مهارات الموت.

إن الدول التي تمتلك مؤسسات اجتماعية ومدنية يديرها المجتمع ويحافظ ويشارك فيها ويتمتع من خلالها بفرض حريته وممارسة قدراته هي الدول التي سوف تبقى مقاومة للرياح العاتية.

كاتب سعودي

Mhkm1111@yahoo.com