مجددا ينتعش الجدل الحربي على الأجندة الإسرائيلية، وتنطلق كل الأبواق الإعلامية والسياسية والاستراتيجية الإسرائيلية لتتحدث عن حرب قريبة ربما في الصيف الحالي أو الخريف القادم، وربما في توقيت قريب، فالمسألة بالنسبة لهم هي في النهاية مسألة وقت وتوقيت، فدولة إسرائيل حبلى بالحرب أو بالحروب، وهي قد قامت وتتواصل من وجهة نظرهم على أسنة الحراب!
ف«إسرائيل» التي تهدمت صورتها وروايتها الردعية في حرب يوليو 2006 وعجزت عن ترميمها لا يمكنها وفق عقيدتها العسكرية ومنهجيتها الحربية أن تقبل بمثل هذه الهزيمة وتلبد، ذلك أن استقرار ومستقبل إسرائيل رهن عمليا حسب أدبياتهم بتفوقها وقدراتها الرادعة.
استحضرت صحيفة هآرتس (17/8/2006) في هذا الصدد نظرية بن غوريون في الحرب قائلة: «بن غوريون علمنا أن نخرج العدو عن توازنه ومحاصرته وإبادته كقوة مقاتلة، ولكن في سنوات التسعين تبنينا مفهوما جديدا للحرب التقليدية من خلال الاعتماد على ميزة سلاح الجو والتنازل عن الحسم والانتصار، وهذه هي المصيدة التي أوقعتنا بها القيادة الأمنية السياسية الإسرائيلية في المواجهة الأخيرة أمام حزب الله، وهذا هو الثمن الذي دفعناه».
لذلك لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت قد أطلق ذلك التصريح أمام الكنيست الإسرائيلي غداة القرار الدولي بوقف العمليات الحربية في لبنان والذي توعد فيه بجولة أخرى أمام حزب الله جزافا.. هكذا... حيث أعلن بمنتهى الوضوح: «يجب أن نضمن أن الأمور ستكون في المرة القادمة أفضل بكثير...».
ومن اجل أن تكون الأمور بالنسبة لهم أفضل فان «على إسرائيل أن تستعد للمواجهة القادمة التي حددها الجنرال احتياط إسرائيل طال بتاريخ 12/7/2008، فعليها أن تضع الأمن على رأس سلم أولوياتها حتى قبل التعليم والرفاه.. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يجد حلولا للصواريخ المضادة للدبابات وللكاتيوشا وللاستخبارات...» (هآرتس 17/8/2006).
ولذلك أبقى شمعون بيريز بوابة الحرب على الجبهة اللبنانية مشرعة حينما قال في لقائه مع السكرتير العام الجديد للأمم المتحدة، بان كي مون «إن لبنان هو المشكلة الفورية وأن الصراع هناك لم ينته بعد» (موقع عرب 48 ـ 12/2006/)، وأعربت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عن تقديرها بأن يشهد العام 2007 استئنافا للقتال في الجبهة الشمالية بالتوازي مع تعاظم تهديد ما سمته ب«الإرهاب العالمي» على إسرائيل،.
وتحدث الكاتبان الإسرائيليان عاموس هرئيل وآفي يسيسخروف عن حتمية الحرب الإسرائيلية القادمة وعن انه لم يبق عمليا سوى اختيار الجبهة الحربية.. فيقول الكاتبان: «الحرب ستندلع في الصيف، والجبهة وحدها هي التي لم تتحدد بعد، والحالة المزاجية في الجيش متشائمة جدا، فالجولات الأخيرة في المعارك التي خاضها الجيش على جبهتين في لبنان وقطاع غزة تركت عددا كبيرا من المسائل غير المحسومة.
وعددا كبيرا من المتفجرات المحتملة القادرة على إشعال النار من جديد، الاستنتاج الذي يشتقه الجيش من ذلك هو أن الحرب الوشيكة مسألة محتملة جداً (هآرتس- 01/12/2006)، وعزز شوكي مئيروفيتش، وهو محاضر في المركز الأكاديمي «روبين»، في صحيفة «هآرتس» هذا التوجه قائلا:
«إن الحرب القادمة باتت على الأبواب، نظراً لكون المجتمع الإسرائيلي قد اعتاد على معالجة الفشل في حروب سابقة بحروب لاحقة« (معاريف 02/05/2007)، ويؤكد على استحواذ التفكير العسكري على إسرائيل، قائلا: «بدأ العد التنازلي للحرب القادمة، ولكن ليس كنتيجة لتعاظم قوة حزب الله، وليس كنتيجة لنزوله إلى جنوب نهر الليطاني، وإنما كنتيجة لتقرير لجنة فينوغراد. وبشكل مناقض، ولكن بما يتفق مع التاريخ والمزاج الشعبي الإسرائيلي، فإن خطورة التقرير هي التي ستؤدي إلى الحرب القادمة».
ومن وجهة نظره ليست هذه هي المرة الأولى التي يصلح فيها المجتمع الإسرائيلي القصور في الحرب السابقة بواسطة حرب جديدة، فمقولة مناحيم بيغين لا تزال ماثلة: «حرب لبنان الأولى جاءت لمعالجة صدمة حرب تشرين 1973، وهكذا سيكون هذه المرة، فحرب لبنان الثالثة ستعلن لمعالجة آثار حرب لبنان الثانية.
ولذلك انبرى عوديد تيرا ورون تيرا (الاول عميد احتياط في سلاح المدفعية ورون رائد احتياط في سلاح الجو) ليؤكدا «أن الوضع الاستراتيجي في المنطقة ينذر بمواجهة قريبة بين إسرائيل وأعدائها»، ليلحق بهما «عميت كوهين» متحدثاً عن مؤشرات تدل على الحرب وهي من وجهة نظره: «إزالة الحواجز في القنيطرة، وتصريحات سورية علنية باتجاه الحرب، والتسلح المتسارع، ورفع أهلية الجيش السوري عملياتياً، وتواتر المناورات السورية والإسرائيلية».
واستكمالا للمشهد الحربي الاستعدادي الإسرائيلي تحدث المحلل «يوئيل ماركوس» في هآرتس ـ 10/7/2007 عن «أن هناك روايتين أو ثلاث روايات حول الحرب التي ستندلع في الصيف وهي آتية من مصادر أمنية، فحسب الرواية الأولى ستكون هناك هجمة مشتركة من حزب الله وسوريا وإيران، وفي الرواية المعدلة يضيفون لهذه الثلاثية حماس.
أما الرواية الأخرى فتفيد بأن حزب الله سيهاجم وسوريا تساعده بالصواريخ طويلة المدى، وحسب رواية أخرى سوريا التي تتزود بالأسلحة من رأسها حتى أخمص قدميها، ستشن عملية خاطفة في هضبة الجولان من دون الخروج في حرب هجومية واسعة. الرواية الأخيرة تتحدث عن هجمة صاروخية بالصواريخ الثقيلة والحديثة ضد كل العمق الإسرائيلي، كنوع من تسوية الحساب عن الضربة التي تلقتها سوريا في حربي حزيران ويوم الغفران».
فهل نحن بانتظار الحرب إذن؟! يبدو أن الإجابة الأوضح على هذا السؤال/ التساؤل الكبير حول احتمالية الحرب أو استبعادها جاء بصورة هادئة على يد اللجنة الفرعية التابعة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي، حيث قرر أعضاء اللجنة البدء بتوزيع «الأقنعة الواقية» على الإسرائيليين، على أن تعطى الأولوية لسكان هضبة الجولان السوري المحتل والجليل وحيفا والشمال وجنود الاحتياط وأبناء عائلاتهم.
وقالت صحيفة معاريف 18/07/2007 «إن اللجنة حذرت من أن تؤدي مواصلة جمع «الأقنعة الواقية» من الحروب النووية والبيولوجية والكيميائية، والفترة الزمنية التي تتطلّبها عملية تجديدها، إلى القضاء على منظومة الدفاع عن الجبهة الداخلية خلال فترة ليست طويلة».
فهل يمكننا أن نعتبر توزيع الكمامات الواقية على مستوطني شمال فلسطين إشارة كبيرة للاستعدادات الإسرائيلية الهادئة للحرب القادمة...؟!ربما تكون هذه إشارة بالغة القوة - مضافا إليها ذلك الكم الكبير من المؤشرات أعلاه وغيرها- إلى تلك الاستعدادات الإسرائيلية الحثيثة للحرب القادمة..!
ولذلك نقول في الخلاصة المكثفة في سياق قراءتنا الاستراتيجية لاحتمالات الحرب أن على الجهات العربية المعنية وخاصة سوريا ولبنان الاستعداد وإعداد العدة لحرب إسرائيلية عدوانية أخرى تلوح في الأفق المنظور، إذ لن تطول الأمور.. فهناك في فلسطين جبهة مشتعلة ومرشحة لمزيد من التصعيد نظرا لمخططات الاحتلال الابادية للحقوق الفلسطينية التي لم تكتمل..
وهناك في لبنان هزيمة حارقة تكبدها «الجيش الذي لا يقهر» وتمزقت صورته الردعية بصورة مذهلة..
وهناك في الأفق المقروء حرب إقليمية تتزايد مؤشراتها واحتمالاتها على نحو خاص، في ضوء تطورات الأحداث الأمنية في العراق وفي ضوء تطورات الملف النووي الإيراني!
كاتب فلسطيني