هل يستطيع توني بلير تحريك عملية السلام من خلال مهمته الجديدة كمبعوث للجنة العربية؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه المراقبون في متابعتهم لجولة رئيس الوزراء البريطاني السابق في بعض عواصم الشرق الأوسط.

وإذا كان الوقت مازال مبكرا للحكم على نتائج الجولة باعتبارها استكشافية على الأقل بالنسبة لبلير، فإن الحقائق الموجودة على الأرض تؤكد صعوبة هذه المهمة.

فالمشكلة كما يعرفها بلير نفسه تكمن في الجانب الإسرائيلي الذي يتنكر لكل القوانين الدولية، ويضرب بها عرض الحائط، مستغلا في ذلك الدعم الأعمى الذي تقدمه له الإدارات الأميركية المتعاقبة، وعبث الفلسطينيين بقضيتهم، وضعف المواقف العربية وغياب الرؤية البعيدة لما يجري حاليا على أرض الواقع من أحداث وتطورات.

فإسرائيل التي أقامت جدار الفصل العنصري، وأتبعته بحواجز تفصل بين المدن الفلسطينية، وتصادر وتشرد ما ومن تريد من الأرض والبشر، وتقيم المستوطنات، تفعل كل ذلك وتوهم العالم أنها جادة في تحقيق السلام ولكنها لا تجد شريكا يتعامل معها! ويدرك بلير أيضا أن الدول العربية جعلت من السلام خيارا استراتيجيا وحيدا، وحرمت نفسها من البدائل الأخرى التي تملكها بالفعل.

كما يدرك مبعوث اللجنة الرباعية أيضا أن نجاح مهمته يتوقف إلى حد بعيد على مدى رضا واشنطن على سياسته ونهجه، الأمر الذي يعني رضا إسرائيل عليها.

بالتأكيد يدرك بلير كل هذه الحقائق، ويعلم جيدا أنه خرج من «عشرة داونينج ستريت» مغضوبا عليه من جانب البريطانيين الذين لم ينسوا له مواقفه المؤيدة لبوش على طول الخط، سواء في العراق أو في فلسطين. وفي هذا السياق يرى بعض المحللين، أن مهمة بلير الجديدة معقدة إن لم تكن مستحيلة، لأنها مليئة بالتعقيدات والتشابكات، ومحملة بإرث من العداوات والغبن لا يحتمله رجل يعرف تماما أن نجاح مهمته مرتبط بحقوق يصعب التنازل عنها من جانب الفلسطينيين، في الوقت الذي سيجد فيه صعوبة لإقناع الإسرائيليين بالتخلي عن أرض اغتصبوها بالقوة.

ورغم هذه الرؤية السوداوية لمهمة بلير، والتي عبر عنها جيمس وليفنسون المبعوث السابق للرباعية حينما قال إن بلير يضيع وقته ليس إلا، رغم هذه الرؤية فإن ثمة من يرى ضوءا في نهاية النفق، خاصة إذا أحسن الرجل استغلال خبراته السياسية السابقة وعلاقاته المتميزة مع إدارة بوش واستطاع إقناعها بأهمية وضع تصور واضح لمؤتمر السلام الذي دعت إليه سابقا.

كما يرى هؤلاء أن بلير يستطيع أن يتلقف المبادرة العربية للسلام والتي عرضها وزيرا خارجية مصر والأردن على المسؤولين الإسرائيليين خلال زيارتهما لتل أبيب، ليؤكد من خلالها أسس التسوية المتمثلة في قرارات الشرعية الدولية، ووضع جدول زمني محدد لكل خطوات عملية السلام وضرورة التزام الجميع بها.

ويذهب هؤلاء إلى القول إن الإدارة الأميركية معنية في الوقت الحالي بضرورة إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط، نظرا لحرج موقفها في العراق والضغوط الداخلية التي تواجهها. وفي هذا السياق تأتي الجولة المرتقبة لكل من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت جيتس إلى المنطقة لطلب «معونة العرب في إعادة الاستقرار في العراق، وإحياء خطوات السلام العربية الإسرائيلية».

وفي النهاية يمكن القول إن الطريق أمام بلير لن يكون مفروشا بالزهور، بل سيواجه عقبات كثيرة من الجانب الإسرائيلي والأميركي، وسيتوقف إلى حد كبير نجاح مهمته على مدى استغلاله لمهاراته وعلاقاته الدولية وإقناع واشنطن بأهمية التحرك بصورة عملية إلى الأمام، خاصة أن العرب قدموا كل ما يملكون، وذهبوا حتى إلى الكنيست لطلب السلام.

haniihanii@hotmail.com