لأن السلام لا يتجزأ، ولأن الحرية لا تتجزأ، ولأن العدل لا يتجزأ، فإن الرخاء أيضا لا يجب أن يتجزأ.ولأن الديمقراطية تبقى مجرد شعار فارغ المضمون بدون تحقيق التنمية الاقتصادية وبدون سيادة العدالة الاجتماعية.. فإن الديمقراطية السياسية تتطلب أولا تحقيق الديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية الاجتماعية.

وليس هناك عائق في وجه تحقيق الديمقراطية الحقيقية للشعوب قدر الفقر وقدر الجهل الناتج عن الفقر، فإن الجائع لا حرية له والفقير لا اختيار له والجاهل لا رؤية له، ومن هنا يأتي فساد الانتخابات وخداع الديمقراطية بشراء الأصوات أو بخداع الجهلاء، ومن هنا يصدق القول بأن حرية رغيف الخبز هي المقدمة الضرورية لحرية التصويت في عملية الانتخاب.

وليست هناك مسألة من المسائل ترتبط بقضية السلام الاجتماعي أو العالمي مثل مسألة الفقر، باعتباره أبرز المشاكل الإنسانية العالمية التي لها صلة مباشرة بالحرب والسلام في العالم، والتحدي الأبرز أمام البشرية مما يتطلب استنهاض الاستجابة الجادة للقضاء عليه وتقريب الهوة الواسعة بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب النامية من جهة، ومن جهة أخرى بين مستويات الغنى والفقر داخل كل مجتمع في كل وطن.

ففي عالم تزداد فيه الهوة بين الشمال والجنوب بسبب السياسات العولمية السائدة، لتزداد الدول الغنية غنى وتزداد الدول الفقيرة فقرا، وفي مجتمعات نامية وبسبب سياسات لا تضع البعد الاجتماعي بشكل كاف في برامج سياساتها الاقتصادية يزداد الأفراد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وهنا يصبح ملحا أمام الساعين من أجل السلام في العالم وفي المجتمعات التحالف لمحاربة الفقر والقضاء عليه نهائيا، أولا لأنها عملية غير مستحيلة، وثانيا لأنها مهمة إنسانية نبيلة.

ولأن الفقر واحد من أهم أسباب الشرور والحروب في المجتمعات، ودافع رئيسي للإرهاب، وللهجرة غير المشروعة بما يمثل خطرا استراتيجيا من دول الجنوب على دول الشمال.. ولأن بقاء بلد واحد فقير في العالم، أو بقاء أسرة واحدة في مجتمع واحد في ظل متوالية تركز الثروة في عدد قليل من الدول وفي عدد محدود من الأفراد، هو أمر يجافي العدالة الإنسانية ويشكل عارا على البشرية، خصوصا على الدول المنادية بحقوق الإنسان، فإن تنمية الجنوب الفقير بمساعدة جدية من الشمال الغني تصبح هي الحل..

وهذا يجب على الدول المتشدقة بحقوق الإنسان وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الثماني الصناعية الكبرى في العالم والدول الغربية والغنية في الشرق أن تبادر إلى فعل شيء جدي وسريع في ضيعة تحالف دولي لمحاربة الفقر باعتباره الوسيلة الأساسية للحرب على الإرهاب.. ويجب على الدول التي بلغت مرحلة النمو والرفاهية مساعدة الدول الأكثر فقرا والأقل نموا لزيادة معدلات التنمية كمدخل أساسي لمواجهة مشكلة الهجرة غير المشروعة.

إن الدول الفقيرة في معظمها لم تعان من الفقر وضعف النمو إلا بسبب النهب الاستعماري الذي بنت به الدول الاستعمارية أسباب نهضتها وتقدمها على حساب الدول المستعمرة، وإلا بسبب السياسات العولمية غير العادلة التي لا تجعل الدول النامية إلا سوقا لمنتجات الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى، ومصدرا للمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة.. من هنا مسؤولية الدول الاستعمارية في تقديم المساعدات لمستعمراتها السابقة خاصة في أفريقيا لتوفير الحد الأدنى من الحياة الإنسانية لشعوبها في القرن الحادي والعشرين.

غير أن هذا لا يعني غياب المسؤولية عن سياسات بعض حكومات الدول النامية والفقيرة التي تتبع سياسات غير رشيدة تسمح لذات المشكلة ولنفس الهوة بين شرائح المجتمع الواحد أن تتسع، بما ينتج عنها من انتشار الفساد وغياب عدالة التوزيع وغياب مشروعات التنمية وانتشار البطالة وشيوع الفقر بين أبنائها.

ولو أدرك السياسيون والاقتصاديون والإعلاميون، خصوصا من العرب والمسلمين، ما في نظام الزكاة من أسرار وآليات اقتصادية ودفع الجميع ما عليهم، ولو أحسنت المؤسسات توظيف أموال الزكاة بخلق أوعية استثمارية تنموية لخدمة الفقراء، لما بقي بين المسلمين فقير واحد اعتمادا على خلق فرص العمل وتمكين الفقير من العمل المنتج لتوليد الدخل، باعتبار أن العمل هو حق بقدر ما هو واجب، بمنطق صيني يقول «لا تعط الجائع سمكة.. لكن علمه الصيد».

mamdoh77t@hotmail.com