أكدت الأحداث التي عصفت بالمنطقة العربية، في العقدين الأخيرين، وضمنها الانتفاضتان الأولى والثانية، وانطلاق عملية التسوية، وحصار العراق ثم احتلاله، والحرب الدولية ضد الإرهاب، والحرب على لبنان، على تآكل مكانة الأحزاب والتيارات السياسية العربية، عموما، ولاسيما منها التيارات الماركسية والقومية والوطنية، كما أكدت، أيضا، انحسار دور الجماهير التي تتوسلها تلك الأحزاب في نشاطها التغييري.
وكانت غالبية تلك الأحزاب والتيارات برزت في أربعينات وخمسينات، القرن الماضي، وازدهرت في الستينات والسبعينات منه، بفضل حاملها الاجتماعي المتمثل بنخب الفئات الوسطى، التي كانت تتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة والمستوى المادي، إلى جانب الطموح في الارتقاء على المستويين السياسي والاجتماعي. وكانت هذه الفئات انتعشت بفضل مشاريع التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وبفضل ازدهار النشاط الثقافي والفني، في تلك العقود.
لكن التحولات الحاصلة في معظم البلدان العربية منذ ثمانينات القرن المنصرم، أدت إلى انحسار دور الفئات الوسطى، بسبب التحولات الداخلية والتحديات الخارجية، التي أجهضت عمليتي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضمنها تغليب مظاهر السلطة على سلطة الدولة، واستشراء ظاهرة الفساد وسوء الإدارة وتهميش القانون والأحزاب والمشاركة الشعبية.
بالترافق مع انحسار الاهتمام بمجالات التطور العلمي والتعليم، والانصراف عن أية محاولة للتكامل الاقتصادي العربي.وبهذا المعنى فإن أفول الأحزاب العربية كان تحصيل حاصل لأفول الفئات الوسطى، ولإجهاض مشروعات التنمية، ومن ضمن ذلك مشروع بناء دولة المواطن أو دولة المؤسسات والقانون.
على ذلك فقد كان من الطبيعي أن الحيز الاجتماعي، أو التكتل الشعبي، الذي اجتذبته أو حرّكته هذه الفئات بات خارج المعادلات السياسية أو تحول إلى قوة مهمشة وسلبية، أحيانا، وهو ما يمكن ملاحظته في أفول الانتماءات الحزبية والحداثوية، لصالح انتماءات قبلية، عشائرية وطائفية وإثنية، على مثال ما يحصل في لبنان والعراق والسودان وفلسطين.
من جهة أخرى فإن المشروع السياسي التاريخي الذي حملته تلك الأحزاب والتيارات، كان ينتمي إلى المشروعات الثورية والأيديولوجيات المطلقة والشاملة، والقضايا الكبرى، أي قضايا الوحدة وتحرير فلسطين وبناء الاشتراكية.ومعنى ذلك أن هذه الأحزاب والتيارات كانت بمثابة قطع مع مشاريع عصر النهضة.
وكانت تتوخى حرق المراحل بنقل النخب العربية من الاشتغال بقضايا النهضة والحداثة ومسائل التعليم والتنوير وتحرر المرأة ومستوى المعيشة والصحة وبناء دولة المؤسسات والقانون والتحرر من الاستعمار (وهي قضايا النصف الأول من القرن العشرين)، إلى الانشغال بالقضايا الكبرى مباشرة وعن طريق الثورة.
ولكن هذه الأحزاب، كما هو معروف، لم تنجح لا في إحداث الثورة (بمعنى الكلمة)، ولا في الحفاظ على الأولويات التي طرحها الفكر النهضوي العربي، وإذ بنا نشهد انتكاسة كبيرة للقضايا والشعارات الكبرى.
فالوحدة العربية باتت اليوم أبعد منالا بعد أن تحولت اتفاقيات سايكس ـ بيكو من مجرد تجزئة على الورق، إلى حدود وحواجز ومتاريس على الأرض، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، وأيضا من النواحي الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وحتى في مجالات الهوية، وحتى أن الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو قيام سوق عربية مشتركة بات ترفا يفوق الاحتمال.
أما الاشتراكية فتحولت إلى وصفة للجمود والركود الاقتصادي وإلى مجرد شعارات خالية من المضمون كما تحول القطاع العام إلى مصدر من مصادر الإثراء غير المشروع والفساد وأداة للسيطرة.وبدوره فإن شعار التحرير، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، غدا مصدرا للخلافات العربية ولتعميق الهيمنة على المجتمع كما لحجب واقع التدهور الاقتصادي.
برغم كل ذلك فإن الأحزاب السائدة، على مختلف مشاربها الفكرية، ما زالت مصرة على القيام بدورها التاريخي على رغم أن التاريخ تجاوزها.
والمشكلة أن هذه الأحزاب وبرغم كل صروف الدهر لا تبدو على درجة من التواضع والإحساس بالمسؤولية تجعلها مستعدة لمراجعة أوضاعها وتجديد بناها ووسائل عملها وشعاراتها وأولوياتها، لا بل إنها على عكس ذلك تحيل أوجه قصورها إلى الظروف الموضوعية وتخلف الجماهير وضعف الإمكانيات(!).
وباختصار فإنه يمكن القول إن الأحداث بينت إخفاق مقولة الدور التاريخي (الثوري أو الانقلابي) للحزب، وتآكل مفهوم الحزب/ الطليعة الذي يفترض نفسه وكيلا عن الشعب ووصيا عليه، ونهاية للعقلية الثورية التي تحرق المراحل، وكان انهيار الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي (السابق).
وفي غيره من الدول دليل على ذلك.كما يمكن أن ندلل على ذلك، في تجربتنا العربية، مثلا، بانهيار تجربة الحزب الاشتراكي في اليمن الديمقراطي بالشكل المأساوي الذي انتهت إليه وفي عودة المجتمع اليمني إلى أوضاعه الطبيعية كمجتمع قبلي ما قبل رأسمالي، أما في لبنان فقد عبرت هذه الظاهرة عن نفسها بتآكل نفوذ الأحزاب السياسية في لبنان لصالح الأحزاب الطائفية وبطاركة الطوائف وأصحاب رأس المال وذوي السلطات.
وعليه فإن العاملين في حقل السياسة معنيون بتفحص واقع العمل السياسي ليس في تخلف البيئة الحزبية العربية، فحسب وإنما أيضا في تخلف البنى المجتمعية وضعف وتشوه التنمية الاقتصادية، وعدم قابلية الموروث الثقافي لمفاهيم المعاصرة والحداثة، بكل تجلياتها.
والنتيجة هي أن الأحزاب العربية أو الإطارات العاملة في الشأن العام معنية بمراجعة مسيرتها وأولوياتها بتلمس المشاكل والقضايا الحقيقية والملموسة التي تؤدي فعلا إلى الحراك والتغيير الاجتماعي من خلال التأكيد على مشاريع التنمية التي يمكن أن تحد من مظاهر البطالة والفقر، ومشاريع الحداثة التي تخلق ثورة في التعليم والمفاهيم والبنى، ومشاريع المأسسة والديمقراطية التي تعيد الاعتبار للمواطن ودولة القانون، بحيث يصبح الانتماء والولاء للدولة وللوطن لا للقبيلة أو الطائفة ولا لذوي النفوذ المالي أو السلطة.
كل التطورات والمؤشرات تشير إلى حقيقة تآكل الأشكال السياسية القائمة، مهما كانت تلاوينها، وهذا التآكل، وبكل أسف ليس نتاج فعل عوامل موضوعية خارجية فحسب، وإنما هو نتاج عوامل الجمود الذاتي أيضا.
المعنى من ذلك أن المجتمع الذي يفتقر للحد اللازم من التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يحتاج للطرق القسرية والفوقية والدعائية للتغيير، لأن النتائج ستكون عكسية وسلبية، وعلى شكل اخفاقات واحباطات، ما يفترض البحث الجاد إعادة تجديد الحياة السياسية العربية على قاعدة نقد المرحلة السابقة ببناها ووسائلها ومفاهيمها والبناء على ما هو قائم والتجاوب مع حاجات التجديد، انطلاقا من أن عملية التغيير هي عملية تراكمية وتدريجية وطبيعية.
ولعل انتشار المعلوماتية والانترنيت وهيئات المجتمع المدني، التي تهتم بالقضايا الصغيرة والجزئية، وتنامي القضايا الاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن تشكل حافزا للأحزاب لإعادة النظر في شكل عملها وقضاياها، كي تنجح في القضايا السياسية التي تأخذها على عاتقها.
كاتب فلسطيني