انتهت أزمة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الأصل الذين اتهموا بنقل فيروس الإيدز إلى أطفال ليبيين. وكانت النهاية ـ كما كان متوقعاً منذ فترة ـ بصفقة سياسية تم التمهيد لها بتخفيف أحكام الإعدام إلى السجن المؤبد بعد دفع التعويضات لأسر الضحايا، ثم دخول فرنسا على الخط ليكون الحل في النهاية بترحيل الممرضات والطبيب إلى بلغاريا ثم الإفراج عنهم.
وليبدو الأمر وكأن كل الفرقاء السياسيين قد حصلوا على نصيبهم من الصفقة السياسية.. ليبيا بتطبيع علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، وأوروبا بتسجيل تقدم مهم في علاقتها بليبيا وفي صراعها على مصالحها في شمال إفريقيا ووسطها سواء من حيث البترول والمعادن أو الهجرة التي أصبحت هاجسا رئيسيا لها أو الإرهاب الذي تضع في حسبانها انه إذا تركز في جنوب المتوسط فسوف تجتاح موجاته أوروبا رغم كل التحصينات.
أما الرئيس الفرنسي ساركوزي فقد يكون الرابح الكبير إذا أحسن استخدام الإنجاز الذي يبدو أن ليبيا حرصت على تجييره لخدمته لتحقق من خلاله اختراقا سياسيا في علاقتها بأوروبا، مدركة أن مثل هذه الخطوة ستعزز موقعه في سعيه لكي يكون الطرف الأساسي في القيادة الأوروبية مستفيداً من سياسته التي أعلن فيها القطيعة مع سياسات عديدة لسلفه شيراك .
مؤكداً تحالفه مع واشنطن التي تشعر انه قد يعوضها عن خروج بلير من رئاسة الوزارة البريطانية ودوره كمؤيد أعمى للسياسة الأميركية حتى لو جر بلاده إلى كوارث كما حدث في العراق. بالطبع ساركوزي لن يكون بلير، ولكنه يريد أن يستفيد من علاقة وثيقة مع واشنطن المهزومة في الشرق الأوسط لكي يعزز الدور الفرنسي في المنطقة ويضمن لبلاده نصيبها من النفوذ والمكاسب السياسة والاقتصادية بالشراكة مع أميركا وليس بالصدام معها.
انتهت الأزمة، وحصل كل طرف على ما استطاع الحصول عليه، ولن يكون ما أعلن عنه هو كل شيء، فالحقائق الكاملة في مثل هذه الصفقات تظهر تباعا أو لا تظهر، ولكن التفاؤل يسود كل الأطراف في السير نحو شراكة كانت أوروبا قد حسمت أمرها بشأنها من قبل وهي تسعى لكي يكون البحر المتوسط ساحة توفر لها الأمن.
وتسعى حتى لا تكون تحت رحمة أميركا إذا استطاعت السيطرة الكاملة على الموارد الطبيعية في إفريقيا، وهي معركة قد يختفي جزء منها وراء التحالف الحالي بين أوروبا وأميركا، لكن المصالح لا تعرف الصداقة الأبدية، والتنافس موجود، والأمل ألا يتحول لصراع مدمر تدفع الشعوب الفقيرة ـ كالعادة ـ ثمنه.
بعيداً عن أحاديث انتهاء الأزمة والصفقة السياسية والشراكة الموجودة.. الخ، كان يستوقفني شيء آخر، فطوال سنوات الأزمة كانت الأضواء مسلطة على الممرضات المتهمات.كانت بلادهن «بلغاريا» ثم أوروبا كلها بعد ذلك تقيم الدنيا وتقعدها من اجل إنقاذ حياتهن، بينما كنا لا نسمع شيئاً عن الطبيب المتهم معهم والمحكوم أيضا بالإعدام والذي كان يحمل الجنسية الفلسطينية، بل ربما فوجئ البعض بوجوده في القضية حين كانت تصدر الأحكام.
وعلى مدى سنوات لم نسمع عن جهد فلسطيني لمتابعة القضية. ربما بسبب العلاقات بين السلطات في البلدين الشقيقين، وربما لانشغال السلطات الفلسطينية بما تواجهه من كوارث، وربما للاعتقاد بان التدخل الرسمي سيزيد الأمور تعقيداً، وربما لان الموت المجاني وصراع الإخوة الأعداء يجعل من إعدام مواطن خبراً لا يلتفت إليه أحد، وربما... وربما.
قبل شهور، وربما في إطار الإعداد لتسوية الأزمة، تم الإعلان عن منح الجنسية البلغارية للطبيب الفلسطيني، وهكذا خرج الرجل من سجنه قبل أيام إلى العاصمة البلغارية «صوفيا» لتستقبله كما الممرضات البلغاريات اللاتي شاركنه سنوات السجن وخطر الإعدام لسنوات طويلة.
لم استطع أن امنع نفسي من السؤال: ماذا كان سيحدث لو ان الطبيب لم يحصل ـ وهو في سجنه ـ على الجنسية البلغارية؟
في الأساس.. هل كان سيتم الإفراج عنه ضمن الصفقة التي عقدت، أم أن الصفقة كانت ستقتصر على الممرضات البلغاريات ويظل الطبيب في السجون الليبية يقضي عقوبة السجن المؤبد بعد أن تم تخفيف عقوبة الإعدام السابق الحكم بها عليه، وذلك باعتبار أن المسؤولين الأوروبيين غير مخولين بالتفاوض إلا على مصير رعاياهم، أما الأشقاء العرب فمصيرهم خاضع لأحكام أخرى قد لا يفهمها الأوروبيون ولا حتى العرب من غير المسؤولين؟
وإذا كان قد حدث ذلك، فهل كان أحد سيتذكر الطبيب الفلسطيني في محبسه؟ وإذا ذهب أحد للتفاوض بشأنه فأي شيء سيتم تقديمه مقابل الإفراج عنه؟ وإذا تركنا جانبا الأطراف الفلسطينية المتصارعة فهل يوجد طرف عربي قادر على أداء المهمة وإذا وجد هذا الطرف هل سيترك مذابح العراق ومأساة فلسطين والصومال والسودان ليحاول إنقاذ مواطن ـ مجرد مواطن ـ قابع في سجن عربي؟ وهل ستسمح ليبيا بذلك لطرف عربي أم اننا كنا سنحتاج إلى وساطة إفريقية في هذا الشأن؟!
ثم.. ماذا لو وفق الله الجميع وشرح صدورهم وسدد خطاهم، فقامت الوساطة، ونجحت المساعي وصدر القرار بالإفراج عن الطبيب الفلسطيني وترحيله؟ ألن تكون المشكلة أصعب؟ فإلي أين سيتم ترحيله ومن سيستقبله؟
افترض أن الرجل ـ بعد ثماني سنوات في السجن ـ سيحاول أن يرى عائلته، وأن يعانق هواء الوطن الذي حرم منه لسنوات وربما طوال عمره إذا كان قد خرج للحياة لاجئاً شريداً. ومع ذلك فدعونا نفترض انه يريد أن يعود للوطن وأن عائلته مازالت هناك.. فماذا سيكون في انتظاره؟
إذا كان طريقه إلى غزة، فسيجد نفسه عالقاً في رفح مع الآلاف من المعذبين في الأرض من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني المكتوب عليهم أن يدفعوا ثمن الاحتلال وإذلاله، وثمن اقتتال الإخوة الأعداء على سلطة وهمية حتى لو كانت النتيجة أن تتحول غزة إلى سجن كبير.
وأن تغلق المعابر في وجه المرضى والشيوخ والأطفال حتى يتفق الإخوة الأعداء على من هو الطرف الفلسطيني الذي يسيطر على المعبر أو على الصيغة التي تتيح فتح المعابر بعيداً عن صراعات النفوذ ومأساة تصفية الحسابات والاستعداد لجولات أخرى قادمة من حرب أهلية تتحمل كل الأطراف وزرها إلى يوم الدين. أما إذا فتح المعبر ودخل إلى غزة، فسوف يجد انه قد انتقل من سجنه الصغير في ليبيا إلى السجن الكبير في وطنه الأسير.
وإذا كان طريقه إلى الضفة الغربية فسوف يعاني الإذلال في كل لحظة وهو يمر على عشرات المعابر الإسرائيلية ويخضع للتفتيش من جنود العدو، ثم وهو يشاهد قطعان المستوطنين تمرح فيما تبقى من الوطن، وجدار الفصل العنصري يتحدى ضمير العام وأحكام الشرعية الدولية ليبتلع ما تيسر من الأرض.
وربما وجد الرجل أن الجدار قد قسم القرية التي جاء منها إلى قسمين، وربما وجد أن منزل الأسرة في قسم بقي تحت الاحتلال، وأن الحقل الذي تزرعه قد تم ضمه إلى المستوطنات أو إلى إسرائيل.. أو العكس!! وسيجد الرجل أن الحرب الأهلية تجري ـ ولو بأساليب مختلفة عن غزة ـ وأن الأطراف تستعد للأسوأ والأسلحة يجري تخزينها، وربما يكون له شقيق من بين الجرحى أو القتلى في الاشتباكات التي «تبشرنا!!» بما هو قادم.
أما إذا كان من القدس وأراد العودة إليها فالأغلب أن ألف مبرر سيثور في وجهه لمنعه من العودة، فإذا حدثت المعجزة ونجح في الحصول على إذن ولو بساعات يزور مدينته، فسوف ينغرز في قلبه ألف خنجر من الأسى على زهرة المدائن التي يجري تهويدها على قدم وساق بينما العالم يتفرج على الجريمة، والعرب مكبلون بالعجز، والإخوة الأعداء يتقاتلون.
هذا هو حال الوطن الذي يفترض أن يعود إليه الطبيب السجين. أما إذا كان لاجئاً خارج الوطن وليس لاجئاً في الوطن، فلعل القدر أن يكون رحيماً به، فلا تكون أسرته في مخيم «نهر البارد» المختطف من عصابات الجهل والأجرام التي ترفع زوراً راية الإسلام الحنيف، والتي وضعت الفلسطينيين في لبنان في قلب مأساة جديدة لن يكون نهر البارد نهايتها، ولعل القدر أيضا أن يكون رحيماً بالرجل فلا تكون أسرته في العراق حيث يذبح الفلسطينيون على أيدي العصابات الطائفية.
ولعله كان سيكون شديد الامتنان لو وجد أسرته تنعم بالأمان ـ فقط بالأمان ـ تحت أي سماء عربية أو غير عربية، تحمل آلامها وأحزانها وأشواقها ليوم تراه يبتعد كلما تراكمت أحاديث السلام ومشاريع التسوية.
حتى الآن بدا الطبيب الفلسطيني محظوظاً. افلت من حبل المشنقة ثم خرج من سجنه إلى بلغاريا التي كانت قد منحته جنسيتها ومنحته معها حماية أوروبية حتمت أن يتم التعامل معه كما يتم التعامل مع الممرضات البلغاريات اللاتي أصر الدفاع عنهن على براءتهن رغم إدانة القضاء الليبي لهن.
شكراً للشقيقة (!!) بلغاريا.. فبغض النظر عن ظروف القضية، وتطوراتها والصفقة التي أنهتها، فإنها ـ بمنحها الجنسية للطبيب ـ جنبت بعضنا الحرج، وجنبت بعضنا الأزمة، وجنبت الجميع لحظة مواجهة قاسية مع النفس يحرص الكل على الهرب منها ولكن.. إلى متى وإلى أين؟!
نقيب الصحافيين المصريين