يقول المسؤولون الأميركيون إنه لا يجب توقع تسوية مشكلة كوسوفو قبل عام 2008، وذلك بعد ثماني سنوات من إقامة نظام الحماية الدولية للمقاطعة التي كانت أكثر المقاطعات فقراً في دولة يوغسلافيا السابقة. فكل المحاولات المباشرة أو عبر مجلس الأمن للتوصل إلى انتزاع قبول روسي وصربي بالطبع باستقلال كوسوفو باءت بالفشل.
مقترح مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة رئيس فنلندا السابق مارتي اهتساري، الذي توصل بعد أربعة عشر شهرا من التفاوض مع طرفي النزاع إلى اقتراح نوع من صيغة الاستقلال الانتقالي أو إعطاء سيادة لكوسوفو بإشراف المجتمع الدولي كفترة انتقالية أولى نحو السيادة الكلية، لم يجد قبولاً صربياً ولا روسياً. كوسوفو لا ترضى بالتراجع عن الاستقلال الكلي، في حين تدعو موسكو إلى مزيد من المفاوضات أو إلى مفاوضات جديدة لكسب الوقت.
واشنطن تتحمس للاستقلال، والأوروبيون مع تأييدهم للاستقلال إلا أن حماسهم متفاوت ويعكس مخاوفهم من التداعيات السلبية المحتملة لاستقلال مفروض على موسكو وصربيا، الأمر الذي سيدفع صربيا كليا إلى أحضان موسكو ويؤدي إلى توتر جديد في شرق أوروبا.
موسكو وبلغراد تراهنان على عنصر الوقت، إما لإيجاد صيغة تسوية دون الاستقلال وهو أمر صعب جدا وشبه مستحيل أو لدفع ألبان كوسوفو إلى إعلان أحادي لاستقلالهم مما يسمح ويبرر للأقلية الصربية في كوسوفو إعلان الانفصال، الأمر الذي يخلط الأوراق في المنطقة.
الأوروبيون أو أكثرهم ليسوا بعيدين عن هذه المخاوف. من ناحية أخرى فإن روسيا عبر شلها لرغبة الغربيين بإعلان استقلال كوسوفو ودفعهم إلى القبول بلغة التأجيل والتأخير، تظهر قوتها العائدة على المسرح الدبلوماسي، وتحديدا في مناطق نفوذها السابق في أوروبا.
وبقدر ما أن هنالك تخوفاً أوروبياً من أن الاعتراف المتسرع باستقلال كوسوفو، ولو أنه استقلال بإشراف المجتمع الدولي لتأمين فترة انتقالية سلمية نحو الوضع الجديد، قد يؤدي إلى حالة مشابهة من الفوضى التي حصلت مع استقلال الجمهوريات اليوغسلافية السابقة وانفجار حرب البلقان، بقدر ما أن هنالك رأياً آخر يقوم على مفهوم الصدمة الضرورية التي تعتبر أن التوتر سيزداد بأي حال سواء أعلن الاستقلال أم تم الانتظار.
وبالتالي كما يقول عدد من وزراء خارجية دول غربية كبرى، فيجب اتباع سياسة الصدمات وإعلان الاستقلال ودفع موسكو عبر موقف غربي واضح وحازم من جهة ومشجع لموسكو من جهة أخرى يقوم على احتفاظ موسكو بعلاقاتها مع صربياً، واعتبار أن حالة كوسوفو ستبقى حالة فريدة وغير قابلة للتحول إلى نموذج يجري إسقاطه في مناطق أخرى.
بقدر ما يبدو هذا الكلام منطقيا وربما سهلا على الصعيد النظري، وهو اقتراح جاء في مقالة وقعت عليها شخصيات من وزن هوبير فدرين ويوشكا فيشر ومادلين أولبرايت وغاريث ايفنز، وزراء خارجية سابقين لكل من فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وأستراليا لم يعرفوا بتطرفهم بل عرفوا بأدوارهم واهتماماتهم حتى بعد تركهم السلطة في التسويات السلمية للمنازعات، بقدر ما أن الطمأنة المنطقية غير كافية لمعالجة المخاوف الروسية بشكل خاص وغيرها. مخاوف من أن يؤدي الاستقلال الكوسوفي إلى أن يصبح بمثابة عدوى أو أن يكون له «أثر تظاهري» لمحاولات أخرى استقلالية أو تمردية في منطقة بحر قزوين والقوقاز.
ولكن الأثر التظاهري كما يحذر أصحابه قد يصيب الآخرين أيضا ولن يتوقف على مناطق روسية أو ضمن النفوذ الروسي فقط، بل سيطال مناطق غربية أو ضمن النفوذ الغربي، كما هي حالة جمهورية شمال قبرص أو المسألة الكردية أو ربما مناطق الباسك وكتالونيا في أسبانيا.
فهل تلوح في الأفق ملامح بلقنة جديدة، ليس فقط في البلقان بل في آسيا الوسطى وربما في غيرها من المناطق؟ هل سيؤدي إعلان استقلال كوسوفو إلى نشوء دولة «ألبانيا الكبرى»، كما قد يشجع في آسيا الوسطى على تقسيم جورجيا ومولدافيا؟
هل ستطلق نهاية الحرب الباردة والعولمة المتسارعة الضاغطة على الهويات الأصلية والمهددة لها أحيانا نوعا من صدام الثقافات أو تحديدا الهويات، وإنعاش الآمال الاستقلالية لهذه الهويات بعد سقوط الدولتين الإمبراطوريتين السوفييتية واليوغسلافية بالضربة القاضية وتفككهما بعد نهاية الحرب الباردة.
أسئلة مطروحة بقوة ولا يكفي للرد عليها الانقسام النظري والتبريري بين موقفين تقليديين مبدئيين، أحدهما كلاسيكي يقول بعدم جواز المساس بالحدود القائمة مستنداً بشكل خاص إلى ثقل القانون الدولي والقواعد الدولية القديمة التي كانت محترمة إلى لحظة سقوط جدار برلين.
ومبدأ آخر ثوري وأخلاقي يقول بحق تقرير المصير للشعوب المصادرة هويتها ضمن دولة قامت أو أقيمت على قهر هويات من هذا النوع، قامت في لحظة تاريخية كانت فيها هوية قوية بنت دولتها بضم هويات أخرى أو دول أقامها الاستعمار في لحظة معينة واستقرت مع الوقت تحميها قواعد النظام الدولي. دولة حققت شرعية دولية دون أن تحقق شرعية داخلية.
يبقى السؤال مطروحا بقوة سواء عن حق أو عن سوء استغلال ولا يمكن أن يكون الجواب عليه مطلقا مع أحد الخيارين: خيار الجمود المطلق أو الفوضى المطلقة.
الأول يقوم على التمسك ببقايا وضع تعرض لخضات وتغييرات هيكلية كبيرة، كانت تحميه في الماضي توازنات مستقرة وليس قوة الشرعية الذاتية، والثاني يقوم على تلقائية القبول بفرط الوضع القائم «النظامي» سابقا والدخول في المجهول أو في فوضى لا تعرف عقباها وإلى أي مدى تصل في توليد أزمات متشابهة ومتكررة. فالأقليات في حالات معينة قد تصبح أكثريات قامعة لأقليات أخرى بعد أن تستقل بدولها.
مسألة كوسوفو تحمل عبرتين أساسيتين، أولا: أن هنالك حالات انفصالية لا يمكن معالجتها إلا من خلال خلق دولة جديدة، وهي عملية بقدر ما أنها معقدة بقدر ما أنها ضرورية تلافيا لتعقيدات أكبر. وثانياً: أن هنالك أوضاعاً لا يمكن معالجتها إلا من خلال دبلوماسية وقائية تقوم على احترام التعبير عن هويات معينة، ولكن ضمن مشاريع حكم ذاتي موسع دون تهديد الوحدة الترابية لدول قائمة، مع ضرورة تغيير لطبيعة نظام تلك الدول.
لكن كما هي الحال دائما في السياسة، لا توجد معايير مطلقة أي متوافق عليها عالميا للتمييز بين الحالتين. ستبقى المعايير نسبية وخلافية، وسيبقى الصراع بين الحفاظ على مفاهيم وقواعد النظام الدولي التقليدي المستمر في بعض جوانبه من جهة، وبين مقاومة هذه المفاهيم والخروج عنها باسم الحرية من جهة أخرى. صراع بين مفهومي الاستقرار والتغيير، صراع شرعيات ولكنه صراع قوة أساسا كما هي الحال دائماً، وإن اختلفت العناوين إلا أن المضامين لا تختلف.
كاتب لبناني