يعتبر التقرير الذي قدمته لجنة التحقيق الفلسطينية المتعلق باحداث غزة الاخيرة نقطة تحول رئيسية في مسيرة العمل الفلسطيني، لما اتسم به من علمية وموضوعية وعكسه من رغبة حقيقية في كشف بواطن الخلل في الاجهزة الامنية للسلطة الوطنية.

ولعل اهم ما في التقرير هو اعتراف اللجنة التي اعدته بالاخطاء المرتكبة في تشكيل الاجهزة الامنية، وتقديم العامل الفصائلي على الاولويات المهنية والاحترافية في عملية اختيار الضباط والجنود في هذه الاجهزة.

السيد نبيل عمرو احد اعضاء اللجنة والمستشار الاعلامي للرئيس عباس وضع اصبعه على الجرح، عندما قال ان قيادة السلطة ارتكبت خطأ كبيرا عندما سلمت قطاع غزة كمقاولة للسيد محمد دحلان مستشار الامن القومي الفلسطيني السابق. واضاف بان الاخير خضع للتحقيق واعترف بمسؤوليته عن جزء مما حدث في قطاع غزة من اخفاقات في اوساط الاجهزة الامنية اثناء انقلاب حركة حماس العسكري.

هذه اللغة، لغة الصراحة والوضوح، جديدة على العمل السياسي الفلسطيني، وعلى حركة فتح التي تصدرت هذا العمل لاكثر من اربعين عاما. فقد جرت العادة ان تتم عمليات تغطية على المسؤولين الكبار، وابعادهم عن اي مساءلة قانونية او سياسية، وتحميل المسؤولية الى بعض الضباط الصغار او قيادات الصف الثالث والرابع.

تشخيص المرض عملية على درجة كبيرة من الاهمية، وخطوة اساسية على طريق ايجاد العلاج، ولهذا يمكن القول بان الاكتفاء بالتقرير، وما ورد فيه من تحديد للمسؤوليات امر لا يكفي، ولا بد من خطوات اخرى على صعيد المحاسبة والاصلاح.

ما حدث في قطاع غزة من احداث ربما يصب في مصلحة حركة فتح اكثر من حركة حماس على المدى المتوسط وربما المدى البعيد ايضا، لان هذه الحركة اي فتح قد تخلصت من ورم سرطاني في جسمها تضخم على مدي السنوات العشر الماضية واستعصى على العلاج، وقد استخدم هذا المرض، وكل ما ترتـــــب عليه من افــــرازات في تشويه صورة الحركة، والصاق تهم الفساد والبلطجة والفلتان الامني بها.

وربما لا نبالغ اذا قلنا ان ما كان يحدث في قطاع غزة من قبل بعض قادة الاجهزة الامنية، هو الذي لعب دورا رئيسيا في عدم فوز حركة فتح في انتخابات المجلس التشريعي الاخيرة التي انتهت نتائجها بفوز حركة حماس المنافسة باغلبية المقاعد.

الرئيس محمود عباس تعهد في كلمته يوم امس بالبدء في عملية اصلاح شاملة في حركة فتح ، من حيث تنقيتها من كل شوائب الفساد التي علقت بها، ولكن هذه العملية تظل اقل كثيرا من المطلوب، وربما دون اي فاعلية، طالما انها لا تصل الى البرنامج السياسي للحركة، وبالتحديد وضع كل البيض الفلسطيني في سلة الولايات المتحدة، وتجنب اي حوار حقيقي مع النصف الآخر من الشرعية الفلسطينية، وهو حركة حماس للخروج من المأزق الراهن الذي تعيشه الساحة السياسية الفلسطينية.