ما عجزت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش عن تحقيقه في ستة أعوام وستة أشهر تحاول إنجازه في سنة وستة أشهر، فهل ستنجح؟

بشكل واضح نقول: ما تجاهلته هذه الإدارة منذ وصولها المثير للجدل إلى البيت الأبيض وحتى اليوم، تحاول أن تضعه على طاولة البحث وفي دائرة الاهتمام، المقصود طبعاً عملية السلام، وبالتحديد: تسوية أو صفقة توهم الرأي العام بأن نصراً قد تحقق على جبهة السلام، ما دامت الهزائم هي الحاضرة على جبهة الحرب. ‏

السيد بوش يدرك أن أيامه في البيت الأبيض إلى نقصان، وشعبيته كذلك، بينما خسائره إلى ازدياد، وباتت مغادرة المكتب البيضاوي وشيكة دون إحراز أي إنجاز يسجل له إلا إذا اعتبر احتلال أفغانستان والعراق والعبث بأمن لبنان والمنطقة ودعم الإرهاب الإسرائيلي إنجازاً. ‏

والبحث عن نصر ما جعل بوش وأركان إدارته يتحركون على ساحة الشرق الأوسط، في محاولة لعقد صفقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تجيّر إلى حسابه في المصرف السياسي الخاوي على عروشه. ‏

لانشك بذكاء صنّاع السياسة الأميركية لكنه ذكاء منقوص يفترض سذاجة الأطراف الأخرى وإمكانية خداعها، وهذا غير صحيح، وهنا مكمن الخطأ في سياسات واشنطن. ‏

هذا الذكاء جعل طوني بلير مبعوث سلام من قبل اللجنة الرباعية لصاحبتها الحصرية الإدارة الأميركية، لأن بلير شخص مجرّب وكان خير من ينفذ الأوامر الأميركية بحذافيرها، بل كان يردّد العبارات نفسها الصادرة عن أي موظف في الخارجية الأميركية طوال أعوام. ‏

لكن بلير وحده لا يكفي لتحقيق الإنجاز المنشود الذي يدفع بوش إلى دخول كتب التاريخ كصانع سلام وليس كرجل حرب وإرهاب ودمار، لذا كان على الإدارة الأميركية اللجوء إلى كل أسلحتها المجربة، ومنها الآنسة السمراء كوندوليزا رايس التي تعمل موظفة مخلصة للمحافظين الجدد بمرتبة وزيرة خارجية. ‏

وها هي الآنسة رايس تحزم حقائبها على عجل وتستعد للقدوم إلينا لإعطاء زخم للتحركات الأميركية والدولية الرامية إلى إقامة دويلة فلسطينية غير مستقلة ولا صاحبة سيادة وعلى جزء فقط من الضفة الغربية وبشكل مؤقت، ويا لهذه الأحجية ما أصعبها!. ‏

بلير ورايس جزء من المشهد، وجزء من التحرك، فالمطلوب حشد أميركي ـ أوروبي ـ عربي لإخراج أسوأ مسرحية هزلية عرفتها المنطقة. ‏ كيف يمكن لفريق يديره جهابذة المتصهينين أو الصهاينة أن يصنع السلام العادل دون أن يكون منحازاً إلى المشروع الصهيوني وإسرائيل؟. ‏ وكيف لهذا الفريق أن يحوّل الفاشلين والمهزومين إلى أبطال سلام منتصرين؟ ‏

الأمر لإدارة امتهنت الكذب والتضليل على مدى ستة أعوام ونصف العام، غاية في اليسر والسهولة، فالسلاح القديم الذي استخدمته لغزو واحتلال العراق وإشعال الحروب فيه، يمكن اللجوء إليه مجدداً، أي الكذب، وإن كان هناك من نسي فليعد إلى كولن باول، بل عليه العودة إلى اعترافات المسؤولين الأميركيين دون استثناء. ‏

سيستخدمون كل أساليب الكذب والتضليل والرياء لصنع نصر زائف يتوجون به ثماني سنوات من القتل والإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والعنصرية ومعاداة الشعوب، هذه السنوات هي الفترة التي قضاها بوش وعصابة المحافظين الجدد في البيت الأبيض، وهي الفترة التي أمضاها بوش في تهشيم أفغانستان والعراق والعبث بأمن العالم أجمع. ‏

اليوم يأتينا أشخاص يفترض تحويلهم إلى محكمة مجرمي الحرب ليحدثونا عن عقد مؤتمر «اجتماع» دولي ـ عربي على الأراضي الأميركية في أيلول بهدف تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل حتى قبل عقد صفقة تافهة تعطي جزءاً من دويلة فلسطينية لجزء من الفلسطينيين. ‏

ها هي الآنسة رايس صاحبة التّهم الجاهزة الموجهة إلى عنوان واحد هو دمشق، آتية لتروج للمؤتمر ـ الاجتماع الأميركي، ولا تجد من أجل ذلك إلا توجيه التهم ذاتها التي تكررها منذ وصلت إلى منصبها الرفيع، ونسأل: ألم تملّ كوندي من تكرار الأسطوانة نفسها لسنوات طويلة؟ ‏

ألم تدرك بعد أن أكاذيبها باتت مكشوفة أكثر بكثير من أكاذيب سلفها باول؟ ‏ و... لن نرد عليها هذه المرة لأنها لا تستحق هي ولا أكاذيبها عناء الرد. ‏

قد يحقق بوش بعضاً من نصر زائف.. لكنه سيظل زائفاً، ولن ينجح في تضليل العالم من جديد، لأنه ليس رجل سلام، ولأنه صاحب مشروع استعماري استيطاني، وهو والسلام على طرفي نقيض، وستسقط المسرحية الجديدة سقوطاً مريعاً لأن إعدادها فاشل وإخراجها أكثر فشلاً، ولأنها كذبة جديدة تسجل لإدارة امتهنت الأكاذيب والدجل. ‏