في حديث مع نبيل عمرو مستشار الرئيس الفلسطيني أثناء زيارته للبحرين قبل ثلاثة أسابيع، طرحت عليه ملاحظة حول الموقف الأميركي من الصراع بين حركتي (فتح) و(حماس) وكيف أن التصريحات والخطوات التي اتخذتها واشنطن حيال السلطة الفلسطينية تبدو مثل «قبلات موت».

النتيجة من وجهة نظري، أن الصراع بأكمله تم اختزاله بشكل فج بالنسبة للكثير من الفلسطينيين والعرب إلى أن السلطة مع أميركا وإسرائيل وحماس ضد أميركا وإسرائيل.

كانت ملاحظتي محاولة للفت الانتباه إلى عنصر ربما غفل عنه مسؤولو السلطة الفلسطينية. وإذ استفزت الملاحظة محدثي، راح عمرو يشرح جملة من المواقف التي تظهر تعارضا بين موقف السلطة والموقف الأميركي. قال عمرو «خلافاتنا معهم مطروحة على الطاولة وهذا ليس بخاف على احد».

من بين ما ذكره عمرو أن الرئيس أبومازن عندما اعتزم زيارة دمشق، طلب منه الأميركيون عدم القيام بهذه الزيارة فرد عليهم «بأن مصالح شعبي تقتضي أن أقوم بهذه الزيارة» وقام بها. وأفاض عمرو في شرح أوجه التعارض بين السياسة الأميركية والموقف الفلسطيني لافتا إلى حقيقة أساسية في الموقف الأميركي من الصراع العربي الإسرائيلي قائلا «لا احد يستطيع منافسة إسرائيل في حظوتها لدى الولايات المتحدة(...) لكن الذكي هو من يستفيد من أي هامش متاح لتعزيز موقفه والحصول على مكاسب».

ماذا لو أن هذا الكلام صدر من مسؤول أميركي سابق؟ أو خبير أميركي أو من أي بلد آخر؟ كان الجميع بمن فيهم مسؤولو حماس سيسارعون إلى التلويح بمثل هذه التصريحات، لكن دعما للاستنتاج الخطأ. أي الاستنتاج السهل والمريح للذهن بأن الاحتفاظ بأي نوع من العلاقة مع الولايات المتحدة عبث ويقرب من الخطيئة. مشكلة كلام مثل هذا أن قائله مسؤول فلسطيني، مشكلته أن اسمه نبيل عمرو ومشكلته الأخرى انه فلسطيني ومشكلته الثالثة انه مسؤول في السلطة الفلسطينية.

فإذا كان العرب قد برهنوا على خاصية أصيلة فيهم، فهم لم يبرهنوا سوى على أنهم يرفضون اجتهادات من مواطنيهم ويمكن أن يمضوا في رفضها إلى حد التخوين والإقصاء لصاحبها ويقبلون بنفس الاجتهادات إذا جاءت من آخرين وخصوصا الغربيين.

نبيل عمرو لم يكتشف قانون الجاذبية عندما يعيد تأكيد حقيقة حكمت الموقف الأميركي من الصراع العربي الإسرائيلي منذ بداياته وحتى اليوم. وهو لم يكشف جديدا عندما أعاد تأكيد إحدى الحقائق الأساسية المرتبطة بهذا الصراع المرير وهي ان هناك مسؤولية دولية لهذا الصراع يجب على العالم أن يتحملها، وهذا يقتضي من أي قائد فلسطيني أن تكون له علاقات مع هذا العالم لكي يملك أداة أساسية للتأثير والضغط. لا يمكن خوض معركة تحرر وطني دون علاقات مع الأطراف المؤثرة في هذا العالم ودون اشتباك سياسي وتفاوضي أيضاً مع العدو.

هل تتذكرون ياسر عرفات..؟ لم تبق مفردة في قاموس الهجاء لم تعلق به، فهو بالنسبة لخصومه الفلسطينيين والعرب مفرط وفاسد، وللإسرائيليين راع للإرهاب، وللأميركيين لا يبذل جهدا كافيا لمحاربة الإرهاب، وحتى اليوم لم يستوقف هذا الإجماع أحدا. فكيف يمكن أن يكون الرجل مكروها من الإسرائيليين ويشنون حربا عليه ويحاصرونه أعواما في حجرة صغيرة في مقر مهدم ومتهالك ويموت مسمما وهو في نظر مواطنيه مفرط وخائن وبائع للقضية..؟.

الآن بات الكثيرون من أولئك الذين كانوا لا يوفرون كلمة هجاء في حقه بما فيهم قادة ومسؤولو حماس يقولون إن الإسرائيليين سمموه وقتلوه، لكن من جديد يصرحون بهذا لدعم الاستنتاج الخطأ: «لا فائدة من التفاوض مع إسرائيل ولا جدوى من العلاقات مع الولايات المتحدة».

يغيب هذا عن الأذهان كثيرا ولا يستوقف أحدا، فالعلاقات التي استوجبت كل هذا النقد والهجاء المرير هي نفسها التي يسعى إليها قادة (حماس). فها هو رئيس الوزراء الفلسطيني المقال إسماعيل هنية يصرح لصحيفة «ذي غارديان» البريطانية ان «لندن وحركة حماس عززتا اتصالاتهما خلال الأسابيع الأخيرة» و«ان تعزيز هذه الاتصالات يعود إلى بداية يوليو الجاري، اثر الإفراج عن مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في غزة ألن جونستون».

ويزيد هنيه «الهدف الرئيسي من تلك الاتصالات هو تحسين ديمقراطيتنا وإدارتنا. هذا الأمر يشكل جزءا من اتصالات كثيرة تتواصل مع الحكومات الأخرى في العالم». ألا يذكركم هذا الجزء الأخير بالمطالب الأميركية المتكررة طيلة سنوات لعرفات بالعمل على تحسين ديمقراطية السلطة واتخاذ إجراءات لمحاربة الفساد؟.

أتمنى من قلبي أن تتعزز الاتصالات بين حركة (حماس) وبريطانيا، وهذا أمر ايجابي تماما ويصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، لكن لماذا تبدو نفس هذه العلاقات التي كانت سبب الهجاء المرير الذي تعرضت له السلطة الفلسطينية طيلة أكثر من عشر سنوات، موضع ترحيب وقبول ورضا عن النفس؟. ولماذا يبدو إبلاغ الإسرائيليين بطلب هدنة مع قطاع غزة فور سيطرة حماس عليه أمرا اعتياديا في حين أن طلب الهدنة من السلطة كان ينظر إليه لسنوات مضت باعتباره خيانة؟

هل الضرورات التي دفعت حماس لطلب الهدنة من إسرائيل أكثر وجاهة من الضرورات التي كانت تدفع بالسلطة لطلب مثل هذه الهدنة وكانت حماس ترفضها؟ ماذا لو أن القنصلية الأميركية في القدس المحتلة طلبت لقاء مع مسؤولي حماس مثلا؟ هل سيرفض هؤلاء لقاء مسؤولي القنصلية أم أن الأمر سيقرأ على نحو آخر: بداية اعتراف أو قبول بالأمر الواقع أن حماس طرف لا يمكن تجاوزه؟.

إنها نفس العبارات التي ترددت عندما بدأت القنصلية الأميركية في القدس الحديث إلى ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في بداية التسعينات، المرحوم فيصل الحسيني وحنان عشراوي وسري نسيبة وغيرهم. فبقدر ما كانت تلك الاتصالات باعثة على الفرح قليلا لأن الأميركيين أدركوا أن المنظمة هي العنوان الذي يجب ان يتوجهوا له للتفاوض مع الفلسطينيين، فان البهجة المتبدية في تصريح هنيه وهو يعلن عن اتصالات متنامية مع لندن هي نفسها.

لكن الفارق الآن هو أن تلك الاتصالات مع ممثلي منظمة التحرير كانت ضمن مسار متصاعد بعد عقود طويلة من النضال، قادت إلى الجلوس مع ممثلي منظمة التحرير والتوقيع على اتفاق أوسلو. نعم انه اتفاق مكروه وأكثر من كرهه وعمل على تدميره هم الإسرائيليون، أسوأ ما فيه بالنسبة للفلسطينيين ولنا انه اتفاق انتقالي ونحن نفتقد خصلة الصبر، لكنه أشد وطأة على الإسرائيليين، لا لشيء سوى انه يحدد ثلاثة أسس للحل: انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967، التفاوض على مستقبل القدس وحل مشكلة اللاجئين. مبادئ عامة لكنها تحدد منذ العام 1993 المهمة وجدول الأعمال الفلسطيني المقبل لسنوات قادمة.

نعم، كان الفساد ينهش السلطة ولربما مازالت آثاره باقية إلى اليوم، لكن الموازنة الفلسطينية باتت اليوم منشورة على شبكة الانترنت، خطوة صغيرة تظهر الفارق بين مجرد الشكوى من الفساد والعمل على محاربته. الأهم أن البرنامج السياسي لهذه السلطة واضح ومحدد: قيام دولة فلسطينية على حدود 1967، القدس الشرقية عاصمة للدولة وحل مشكلة اللاجئين. السؤال: ما هو برنامج حركة حماس؟

كاتب بحريني