المحافظون، بالتعريف الراسخ في أذهان الكثيرين، هم الذين يتعلقون بالماضي ويبحثون عن صونه من عبث المجددين «المخرّبين». وهم الذين مثّلوا دائما «الأصالة» في مواجهة «المعاصرة» و«التراث» ضد التجديد و«صرعاته». الترجمة السياسية لمثل هذه الثنائية بمختلف تبدياتها جعلت المحافظين في صف «الرجعية» ضد معسكر «التقدم»، و«الثورة المضادة» مقابل «الثورة» بالمعنى «النبيل».
الواقع في أوروبا اليوم يقول شيئا آخر. الآية «مقلوبة» فالمحافظون هم الذين يوجهون عجلة التطور الاجتماعي في بلدانهم وبحيث تبدو الصورة وكأن هناك «ثورة»، إنما «محافظة» هذه المرّة، على غرار «الثورة المحافظة» التي كانت أميركا قد شهدتها منذ سنوات عديدة في ظل رئاسة رينالد ريجان أو تلك التي عرفتها المملكة المتحدة مع السيدة الحديدية مرغريت تاتشر.
«القطيعة» و«النظام» هما الركيزتان الأساسيتان في الخطاب «المحافظ» الجديد في أوروبا اليوم. هذا ما ردده نيكولا ساركوزي في برنامجه الانتخابي ثم ردده في برنامجه للحكم. وهذا ما تردد صداه بنفس الكلمات تقريبا في خطاب المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، زعيمة الحزب الديمقراطي-المسيحي (المحافظ) عندما حددت دون لبس أو غموض برنامج للحكم يهدف إلى «المحافظة على ما يسمح للبلاد بالتقدم وتغيير ما يكبحها ويشدّها إلى الوراء».
هذا الخطاب «المحافظ» الجديد يجمع بين ثالوث الدفاع عن الحرية الفردية وحرية السوق مما يتلاءم تماما مع ذهنية الفكر الليبرالي الجديد في ظل واقع العولمة وتمجيد العائلة والدين والوطن. ومثل هذا الثالوث يجد صداه، تاريخيا، لدى التيارات اليمينية الأكثر تطرفا وجمودا والتي بنت إيديولوجيتها عليه أصلا. وهذا ما كان قد عبّر عنه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالجمع بين «السلطة والأخلاق والاحترام والكفاءة والعزة الوطنية».
ونيكولا ساركوزي لا يخفي توجهه وهويته وهواه. إنه رجل سياسة ورجل دولة محافظ ب«امتياز». لكن هذا لم يمنعه من أن يرفع شعار «القطيعة» مع النهج السياسي السائد. وهو يحاول أن يترجم الشعار الذي رفعه «مرشحا» إلى واقع بعد أن أصبح رئيسا. لا شك أن أشياء كثيرة قد «تحرّكت» بعد وصوله إلى قصر الاليزيه والبحيرات الراكدة سابقا أصبحت ملعباً للأمواج. ولا شك أيضاً أن هناك إحساسا باليقظة. لكن ماذا بعد؟
بكل الحالات، يبرز سؤال، إذا لم نقل مشكلة. إذ كيف يمكن للمرء أن يقوم ب«قطيعة» ثم يكون «محافظا» بنفس الوقت؟
أنصار «القطيعة» من المحافظين يردّون أن القيم التي ينادون بها ليست «محافظة» بمعنى «كابحة» وإنما هي ضرورية من أجل تفعيل «دينامية الحداثة»، بل ويعتبرونها ردا طبيعيا على «انحرافات» الماضي القريب وأفكاره الهدّامة وفي مقدمتها تلك التي رفعها المتظاهرون في مايو 1968 بفرنسا. المقصود هو أحداث الطلبة التي انفجرت في ذلك الشهر والمعروفة باسم «ثورة الطلبة».
لعله من المفيد هنا فتح قوسين للإشارة إلى خطأ شائع هو أن ذلك النمط من الأحداث لم يقتصر على فرنسا وحدها. بل كان أوسع وأشمل. مظاهرات طلابية عارمة في بيركلي وبرلين وتمردات عمالية وشعبية في تشيكوسلوفاكيا «ربيع براغ 1968»، وأيضا في المكسيك وإيطاليا. تعددت أشكال التعبير لكنها صبّت كلها في خانة مناهضة التسلط مهما كان شكله، شيوعيا في الشرق أو رأسماليا في الغرب.
بهذا المعنى كانت حركة 1968 لبرالية بعمقها ـ رغم سمعتها اليسارية الطاغية ـ وقد يمكن المغامرة والقول أنها كانت خطوة صغيرة، بعيدة في مسار طويل مثّل سقوط جدار برلين عام 1989 إحدى محطاته الكبرى الأساسية.
المرشح نيكولا ساركوزي نفسه كان قد رفع شعار ضرورة الخلاص نهائيا من إرث مايو 1968، وذلك «مرة واحدة وإلى الأبد» بسبب ما يمثله ذلك الإرث برأيه من «ذهنية تخريبية». لكن هل من الخطأ القول أنه هو نفسه نتاج لحركة 1968 التي فتحت الطريق أمامه وأمام أجيال كاملة آفاقا واسعة «بلا حدود»، وهي التي علّمته الرماية و«لما اشتدّ ساعده رماها»؟!
الحجة المقدمة بسيطة وهي أن الطلبة رفعوا في مايو 1961 شعارات الحرية الفردية ولكن باتجاه الانفلات من كل القواعد باسم «ممنوع المنع». وهذا ما يجد به «المحافظون» الجدد ابتعادا عن المسؤولية باسم «الحرية»، بينما «كي تكون حرا ينبغي أن تكون مسؤولا»، كما يرددون ليؤكدوا أن «الحرية» تعني تأكيد الذات إنما في إطار قواعد لعبة السوق.
مثل هذا المنطق له مخاطره بالتأكيد وليس أقلها الخلط بين الخلق والإبداع وبين المنافسة العشوائية تحت غطاء «الغاية تبرر الوسيلة» وتماشيا مع لعبة السوق لم يبق الكثير من «يسارية» توني بلير الذي بقي عشر سنوات على رأس الحكومة البريطانية قبل أن يغادرها منذ أيام معدودة. ولعله من الأصح القول إنه لم يكن «يساريا» في أي يوم و«الطريق الثالث» الذي جعله نهجا لحكمه ليس سوى نسخة «معدّلة» من الثورة المحافظة «التاتشرية».
وكان بلير نفسه قد كتب مؤخرا في ال«ايكونومسيت» مقالا أكّد فيه أن «التعارض بين الانفتاح والانغلاق يعادل في الأهمية التعارض بين اليمين واليسار».
وفي ألمانيا يمكن القول إنه أصبح من الصعب التمييز بين الخيط «الأحمر» اليساري، والخيط «الأزرق» اليميني. ذلك أن الحزبين الكبيرين الممثلين للمعسكرين أي الحزب الديمقراطي ـ المسيحي (اليميني) والحزب الاشتراكي ـ الديمقراطي (اليساري) يلتقيان كثيرا على صعيد البرامج والتوجهات. وهكذا التقيا بسهولة اليوم على صعيد الحكم والمشاركة في ممارسة السلطة.
هناك يساريون متطرفون ـ تروتسكيون ـ أميركيون انقلبوا إلى صفوف اليمين المتشدد من أمثال ايغرنغ كريستول أحد المنظّرين الرئيسيين للتيار المحافظ الجديد الأميركي. ومثل هذا الخلط «الإيديولوجي» الغريب بين «ماركس والمسيح» يجد صداه أيضا في اسبانيا داخل الحزب الشعبي المتطلّع إلى السلطة، وتوجهات شبيهة أيضا في بولندة ورومانيا وبقية بلدان أوروبا الوسطى والشرقية (الشيوعية سابقا).
أوروبا المحافظة ترفع رأسها من جديد... وباسم التقدم، إن لم يكن باسم الثورة. بكل الحالات تقاس الأمور بنتائجها.
كاتب سوري