تعتقد غالبية الناس أن من السهل على الإنسان أن يفشل، لكنه من الصعب عليه أن ينجح، ولهذا فإن أعداد الفاشلين في الحياة كما يراها الناس تتجاوز أعداد الناجحين بكثير. لكن التجربة الإنسانية تشير إلى أن الفشل يحتاج في غالبية الأحيان والحالات لمتطلبات تتجاوز متطلبات النجاح، وأنه يتطلب أحيانا جهوداً كبيرة ومعاناة قد لا يتطلبها النجاح.
وعلى سبيل المثال، يمكن لأي طفل أن ينجح في دراسته إذا واظب على الدوام المدرسي، وتوفرت له أجواء بيتية مناسبة تحرص على متابعته للتأكد من قيامه بواجباته المدرسية على الوجه المطلوب. إلى جانب ذلك، يعتبر ذهاب الطفل إلى المدرسة بشكل منتظم فرصة ثمينة يوفرها له المجتمع للتعرف على أصدقاء جدد والاستمتاع بصحبتهم واكتساب معارف وعلوم وعادات من شأنها أن تساعده على النجاح في حياة ما بعد المدرسة.
لكن تكرر غياب الطفل عن المدرسة، وعدم قيامه بأداء واجباته المدرسية يحتاج عادة لجهد كبير كي يجعل من تجربته المدرسية تجربة سيئة تعود عليه بالفشل. إذ يتطلب الفشل في مثل هذه الحالة أن يكذب الطفل وأحياناً والداه أيضاً كي يبرروا لإدارة المدرسة سبب تغيبه المتكرر، وأن يعاني الطفل الوحدة بسبب بعده عن أصدقائه أثناء ساعات الدوام المدرسي، وأن يجد له والداه ما يلهيه من ألعاب قد تكون مكلفة كي «يقتل الوقت».
كما أن من الممكن أن يأخذ الطفل المتغيب عن المدرسة الكثير من وقت أمه التي هي في أمس الحاجة إلى وقتها للعناية بغيره من أطفال، أو للقيام بمهام وظيفية.
وإذا كان فشل طفل في مدرسة هو أمر شبه اعتيادي في الكثير من دول العالم، ومنها الدول العربية التي لا تزال نسبة الأمية بين شعوبها تتراوح حول 50%، فإن الفشل يكون أحياناً عظيماً ومثيراً للدهشة والأسى بشكل يتجاوز إثارة ودهشة أي نجاح.
وحيث ان الفشل عامة يحتاج لجهد كبير، فإن الفشل العظيم يحتاج لمواهب خاصة لا تتوفر إلا لدى العباقرة من القادة والثوريين والعقائديين المتخصصين في تحويل كل نجاح صغير أو كبير إلى فشل عظيم. وهناك الكثير من الأمثلة على قيام أنظمة حكم وقادة سياسيين وثوريين في تحويل انتصارات شعوبهم إلى حقائق مريعة على الأرض.
ففي يوغوسلافيا السابقة، مثلاً، قام الرئيس الصربي ميلوسوفيتش، والذي توفي بينما كان يحاكم بتهمة ارتكاب جرائم حرب بحق الإنسانية، بتحويل كل انجازات الرئيس تيتو لفشل مريع. ولقد قاد نجاح الرئيس الصربي إلى تمزيق جسد الدولة اليوغوسلافية، وتفتيت نسيجها الاجتماعي الذي قام على التعددية الثقافية والوحدة السياسية، وإلحاق خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والشواهد التاريخية لا يمكن تعويضها.
وفي فلسطين، نجح قادتها السياسيون في غضون سنوات في تحويل صورة الفلسطيني عامة من النقيض إلى النقيض... من إنسان متعلم، وذكي، ومثابر، ومناضل، ومخلص في عمله، إلى إنسان غبي، وتابع، ومرتشٍ، وفاسد، ومتواطئ مع العدو. أما العقائديون فقد حولوا خلال فترة أقصر شعار الحرية في العالم الذي جسدته صورة صبي فلسطيني ملثم يحمل الحجارة دفاعاً عن حريته وكرامة وطنه، إلى صورة الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقتل معه العشرات من الأبرياء مثله.
أما في أميركا، فإن انجازات الرئيس بوش لا تقل بأي حال من الأحوال عن انجازات ميلوسوفيتش في يوغوسلافيا، ولا القادة السياسيين والعقائديين في فلسطين.
إذ نجح بوش خلال ست سنوات فقط في تدمير سمعة أميركا على الساحة الدولية، وإلحاق أضرار بالغة بمصداقيتها ومصالحها في المنطقة العربية، وإضعاف حجم وفاعلية الطبقة المتوسطة في بلاده، وزيادة عمق واتساع الفجوة بين الطبقات، وتنامي حجم العجز في الميزانية وفي الميزان التجاري بسرعة، وتحويل أميركا إلى أكبر دولة من حيث المديونية الخارجية في العالم، وتدمير دولة قام باحتلال أراضيها والتسبب في قتل مئات الآلاف من مواطنيها، وجلب كراهية وعداء الملايين لإدارته وبلاده.
وهذه كلها انجازات عبقرية تشير إلى أن الفشل هو من صنع عباقرة يعيشون في غيبوبة خارج نطاق الوعي، يصنعون من خيالهم دماراً يجسدونه على أرض الواقع بؤساً وفقراً وظلماً وأسى.