ما هذا الصمت العربي الغريب على ما يحدث في البلقان؟

لقد قررت تأجيل الكتابة في هذا الموضوع لأسابيع انتظارا لأي رد فعل عربي رسمي يبدد دهشتي، لكن هذا الذي أنتظره لم يأت، وبينما تدور منذ أسابيع معركة دبلوماسية كبيرة بين واشنطن وموسكو حول استقلال إقليم كوسوفا عن صربيا، تحجم الدول العربية عن اتخاذ موقف مهما كان رمزيا وكأن الأمر لا يعنيهم، ومن المؤكد أن الدهشة مضاعفة من صمت عواصم دول إسلامية أخرى غير عربية!

وفي حقيقة الأمر فإن ملف البلقان كله مليء بالدلالات منذ انفجر الصراع العرقي فيه عام 1992 عقب انهيار يوغوسلافيا، وقد كان شوطه الأول بين الصرب والكروات وسرعان ما تدخلت أطراف دولية تقودها الفاتيكان لوقفه، ليندلع الصراع الدامي بين الصرب والبوشناق (سكان البوسنة والهرسك).

وانتهى الصراع بمقتل عشرات الآلاف من المسلمين بينهم الآلاف من المدنيين الذين قتلوا في مذابح رهيبة ودفنوا في قبور جماعية ما زالت تكتشف حتى الآن، وكانت الخسارة الأكثر إيلاما لمشاعر المسلمين في العالم كله اغتصاب 60 ألف مسلمة أنجبن 15 ألف طفل سفاحاً!

واستعادة هذه الأرقام ضرورة لأن أزمة البلقان في مرحلتها الأولى كانت في الحقيقة اختبارا للضمير العربي وأخشى أن أقول إنه نجح فيه بصعوبة، فهناك مواقف إيجابية لا يمكن إغفالها كان معظمها من دول الخليج التي قدمت مساعدات ضخمة لمعاونة المنكوبين، لكن الإخفاق كان في المقام الأول من الموقف الذي تبنته شرائح واسعة من اليسار العربي (القومي والماركسي).

وكان منحازا إلى «سيادة الدولة» على حساب حق الحياة الذي هو أقدس الحقوق. كان الشائع في الخطاب التحليلي العربي أن مسلمي كوسوفا أقرب إلى «العبد الآبق» الذي يستحق العقاب، منهم إلى «الضحية» التي تستحق التضامن والدعم!

وكانت الضربة الأطلسية التي وجهها حلف شمال الأطلسي المحطة الثانية في المسلسل البلقاني، وقد روى الجنرال ويزلي كلارك قصة هذه الضربة في كتابه (WAGING MODERN WAR) «شن الحرب الحديثة» وكان القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا بين عامي 1997 و2000، وكانت الضربة عام 1999.

وأول ما يشير إليه كلارك هو تغير مهم لا نجد أية إشارة إليه في الكلام الكثير في إعلامنا العربي عن استخدام القوة في السياسة الدولية، وللأسف فإن معظمه تحريضي وبعضه كذب صريح.

يقرر كلارك أولا أنه دخل تفكير بعض الحلفاء الأوروبيين من أعضاء حلف الناتو شيء جديد هو تجاوز قاعدة «الردع» إلى قاعدة «الإرغام» أي الفرض بالقوة، ونستطيع ترجمة القاعدة الجديدة - والكلام لكلارك نفسه - إلى استخدام تدريجي للقوة، مع إنزال عقاب متزايد لإقناع الخصم بتغيير سلوكه.

وكلام الرجل واضح في أن استخدام القوة إذن ليس موقفا تنفرد به أميركا وليس وليد الأزمة العراقية ولا 11 سبتمبر، بل يسبقهما ويشمل الأوروبيين والأميركيين معا. والمفاجأة أن كلارك اتفق مع كولن باول (الذي كان يوصف بأنه من الحمائم) عندما كان كولن باول رئيسا لهيئة أركان الحرب المشتركة، على ضرورة استخدام القوة من البداية، وليس على نحو تدريجي كما حدث في حرب فيتنام.

ويروي كلارك قصة الضربة قائلا: لم تكن كوسوفا تحتل قمة أولوياتي لكن لقائي مع رئيس مقدونيا غير الصورة، وكان الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش لا يحترم سوى لغة القوة، كنت قد زرت بلجراد مع خافيير سولانا للضغط عليه ليرفع يده عن البوسنة، وأدرك سولانا مدى صعوبة الوضع الذي سببه العمل العسكري الصربي في البوسنة.

وفي اجتماع وزراء خارجية الحلف في بروكسل حذر الجميع من الأخطار المقبلة في كوسوفو وأدانوا ممارسات الرئيس الصربي دون الدعوة لإجراء معين، وتوجه وزير خارجية بريطانيا بسؤال للجنرال كلارك عما إذا كان بالإمكان إيقاف سياسة القمع الصربية بالتهديد باستخدام القوة الجوية، ورد كلارك بالإيجاب.

أدى عناد ميلوسيفيتش إلى حركة الحلف وطلبت ـ والكلام لكلارك ـ لقاء منفردا معه وأبلغته أنني على استعداد لإصدار أوامر بضرب قواته ما لم يتعاون، وبدأت جولة مفاوضات ثانية لإيقاف القمع وإقرار الديمقراطية ووضع أساس للحل السلمي وانتهت دون اتفاق.

وراجعنا خطط الضربة الجوية وقائمة الأهداف، ورفض الصرب توقيع الاتفاقية فبدأنا نستعد للقصف. وحشد الصرب أكثر من ثلاثين ألف رجل وبدأوا مهاجمة السكان الألبان. كانت الخطة العسكرية تقتضي إصابة العسكريين اليوغوسلاف بالشلل، وتقتضي الاستمرار في القصف حتى يتوقف التطهير العرقي وإلى أجل غير مسمى.

كانت الضربة الأطلسية الاختبار الأصعب للنخب السياسية العربية التي رأت فيها عدوانا على «دولة ذات سيادة»، ولم يكن في البلقان نفط حتى يسهل تقديم تفسير يبرر رفض الضربة بادعاء أن الشره الأميركي أو الأطلسي للنفط هو السبب، وكان جرح البلقان الأول ما زال غضا طريا، ولكن الاتجاه الذي ساد الخطاب التحليلي العربي أن الضربة حركتها مخططات الهيمنة الأميركية على العالم وهو تعبير استخدم بشكل مبتذل حتى كاد يصبح عاجزا عن التفسير.

لقد كان إسقاط كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية في النظر لمعاناة مسلمي كوسوفا السقطة الثانية للضمير العربي في اختبار البلقان، فالخوف من الإقرار بمشروعية انتهاك سيادة دولة ذات سيادة مهما ارتكبت من جرائم كان دون مواربة إضفاء للمشروعية على جرائم في حق الإنسانية لا يمكن تبريرها.

وقد استمر الدفاع المستميت بالحق وبالباطل عن السيادة المطلقة للدولة على الأرض والناس إلى الملف العراقي فلم يدرك كثير من الوطنيين الذين لا يمكن الشك في إخلاصهم لعروبتهم أن عدم إدانة سلوك النظام البعثي بحق الأقليات، وهو ما يتكرر أيضاً في ملف دارفور حاليا، وجميعها ثمار مرة لهذا المفهوم لحدود الدولة، ساهم فيما حدث ويحدث في الخارطة العربية.

والآن مع الاختبار الثالث في البلقان يلزم العرب الصمت مسؤولين ومثقفين ـ والأغرب صمت المؤسسات الدينية والحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية ـ وكأن الأمر لا يعنينا كجزء من الأمة الإسلامية ولا يعنينا كأتباع دين سماوي كان دائما ضد الظلم ومع المظلومين حتى يحصلوا على الإنصاف. ورغم أن الموضوع حتى من الناحية الإعلامية المهنية موضوع «ساخن» وصل لمجلس الأمن وهددت موسكو باستخدام الفيتو ضده، فإنه لا يحظى بالتغطية الإخبارية الكافية.

فهل يدرك العرب أنه اختبار أخلاقي قبل أن يكون اختبارا سياسياً؟

كاتب مصري