يصعب القول أن الكرملين يخطط لتأميم مصادر الطاقة الروسية، وإعادة الأمور لما كانت عليه في السابق أبان العهد السوفييتي، خاصة وأن سياسات الحكومة وبرامج الأحزاب السياسية ترفض العودة لنظام الاقتصاد السوفييتي، وتطرح سبلا مختلفة للانتقال لعلاقات السوق وأنظمة الاقتصاد الحر.
وهو ما يدفع العديد من السياسيين الروس إلى عدم التعاطي بجدية مع تصريحات سيرجي ميرونوف زعيم «حزب روسيا العادلة» والذي يشكل القطب الثاني الجاري الترويج له في إطار تأسيس نظام ديمقراطي في روسيا يقوم على تنافس حزبين كبيرين.
والمسألة لا تكمن فقط في عدم جدية دعوات ميرونوف ومقترحاته الخاصة بالتأميم، وإنما أيضا لان أنصار اليسار في أوساط الناخبين الروس لا يزيدون على 23% وفق استطلاعات الرأي، ولا ندري نفوذ حزب الكرملين (اليساري) الجديد (حزب روسيا العادلة) بينهم، ولكننا نعرف أن نفوذ الحزب الشيوعي يتراوح بين 13-15%.
ولقد أصبحت شعارات الثروة للروس وضرورة سيطرة الروس واستفادتهم من ثروات بلادهم، من أهم الشعارات الانتخابية التي ترفعها القوى القومية واليسارية. وكل طرف منها يقدم رؤيته لسبل السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتسخيرها لمصالح الروس.
ومما لا شك فيه أن الطاقة قد أصبحت أداة حيوية وفعالة بالنسبة لموسكو في التوصل لتسويات مع الغرب حول العديد من القضايا السياسية، في نفس الوقت الذي قسمت فيه الجبهة الأوروبية إلى فريقين، احدهما يتقرب من روسيا، والآخر يبحث عن مصادر جديدة للطاقة ويدعو لعزل روسيا.
إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، خاصة بعد أن أصبحت روسيا أولى دول العالم في إنتاج النفط والغاز، بعد أن بلغ إنتاج النفط الروسي أكثر من 5,9 ملايين برميل يوميا، لتتفوق على السعودية بحوالي 12%. ما يعني أن مقاطعة روسيا مسألة معقدة وصعبة التحقيق بالنسبة لأوروبا، كما هي خطيرة بالنسبة لروسيا.
ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن روسيا ليست مجرد اكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وإنما هي قوة دولية، تنسج تحالفات مؤثرة وناشطة مع كبار منتجي الغاز والنفط في العالم. وهو ما يوسع دائرة نفوذها وتأثيرها على الساحة الدولية.
ولعل محاولات الكرملين لإصلاح سياسة الخصخصة العشوائية التي تمت في منتصف التسعينيات، والتي فسحت المجال للشركات الأميركية والبريطانية والألمانية لتدخل بقوة إلى قطاع الطاقة الروسي، بشكل مباشر أو عبر شركات روسية أسسها أصحاب الحظوة لدى الكرملين من أولئك الذين حصلوا على حق استثمار بعض الحقول الأساسية، قد دفع البعض للاعتقاد بمحاولات الكرملين لتأميم مصادر الثروات الطبيعية.
وحصل هذا الاعتقاد على مشروعيته ليس فقط من تصريحات السياسيين الروس، وإنما من توسع نفوذ شركة (غاز بروم) التي تضخم نفوذها لتصبح احد أقطاب السلطة، ويدخل في مجلس إدارتها عدد من الوزراء والسياسيين، ما مكنها من المشاركة في صياغة القرار السياسي.
وقد نفى وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو وعضو مجلس إدارة شركة (غاز بروم) ما أشيع عن أن الحكومة الروسية بصدد تأميم قطاع النفط والغاز. وأنكر الوزير وجود نية لدى الحكومة الروسية بتحديد حقول النفط والغاز التي يجب أن تقع تحت سيطرة الحكومة.
وأكد في مناسبات مختلفة انه سيتم تحرير أسهم شركة (غاز بروم) الحكومية، ورفع القيود على مشاركة المستثمرين الأجانب في الشركة، مشيرا إلى وجود خصوصية لأعمال «غاز بروم» وشركة «روس نفط» اللتين لا تنحصر مشاريعهما في روسيا.
بل ودعا خريستينكو لوضع القوانين التي تشجع الشركات على اكتشاف حقول النفط الجديدة والتعمق في استخراج النفط، وطالب بإعفاء استثمار الحقول الجديدة في شرق سيبيريا والجرف القاري من الضرائب، باعتبار أن هذه الحقول تقع في مناطق تفتقر إلى البنية الأساسية المتطورة، مما يلزم الحكومة بمساعدة الشركات في مواجهة المخاطرة جزئيا في هذه المناطق.
وأضاف وزير الصناعة والطاقة الروسي أن استراتيجية الحكومة إزاء الشركات الكبيرة مفادها أن لا تقل ملكية الحكومة عن 51 في المائة من الأسهم في هذه الشركات، وأكد أنه لا يتفق مع أصحاب الرأي الذي يعتبر الشركات الخاصة تفوق فعالية الشركات الحكومية، موضحا أن الضرورة تقتضي تجميع شركات النفط والغاز في شركات قابضة كبيرة تستطيع تذليل مصاعب العمل في مناطق نائية ذات ظروف طبيعية قاسية، ولا تتوفر إمكانية على إدارة الشركات الكبيرة إلا لدى الحكومة.
إلا أن تصريحات خريستينكو والخطوات التي تتخذها الحكومة لدعم شركتي (غاز بروم) و(روس نفط) واللتين تسيطران على 90% من إنتاج الغاز في روسيا وأكثر من 50% من إنتاج النفط، ما زال يدفع بالشبهة حول نوايا الكرملين على تأميم قطاع الطاقة الروسي وفق قوانين السوق الرأسمالي، عبر تدمير المنافسين لحساب هاتين الشركتين، والذي بدأ بتفتيت شركة (يوكوس) وبيع أكبر الشركات التابعة لها (يوجانسك نفط) لشركة (روس نفط).
وقد كانت التطورات الأخيرة التي طرأت على حقوق الشركة الروسية - البريطانية(THK-BP) في استثمار احد اكبر حقول الغاز في روسيا، احد أهم المبررات التي أعادت مرة أخرى الحديث عن مسألة التأميم المذكورة.
وكانت شركة (THK-BP) قد عانت من مواجهات مريرة مع الجهات الحكومية الروسية، فتارة من مصلحة الضرائب التي طالبتها بسداد مستحقات ضريبية تصل لأكثر من مليار دولار تم تخفيضها بقرار المحكمة إلى 120 مليون دولار، وتارة من وزارة الثروات الطبيعية التي اتهمت الشركة بمخالفة شروط الترخيص الممنوح من الوكالة الفيدرالية لاستثمار الثروات الطبيعية، والتي تلزم الشركة بتوفير كميات من الغاز الطبيعي تصل إلى 9 مليارات متر مكعب لتغطية احتياجات إقليم (ايركوسك) السيبيري.
وانتهت هذه الصراعات بتنازل الشركة المذكورة عن حقها في استثمار حقل «كوفيكتا» وفي قطاع «خاندا» (مقاطعة إركوتسك) للغاز لشركة (غاز بروم)، إضافة إلى نصف أسهم شركة الغاز في سيبيريا الشرقية لاستثمار حقول الغاز في منطقة شرق الأورال والتي تعود ملكيتها لشركة (THK-BP) ، بعد أن وجهت لها اتهامات بمخالفة شروط حماية البيئة التي ينص عليها ترخيص الاستثمار الممنوح لها.
وتعرض (غاز بروم) 600-800 مليون دولار مقابل حصولها على ترخيص استثمار حقل «كوفيكتا» وفي قطاع «خاندا» (مقاطعة إركوتسك). ويؤكد فريق من المراقبين أن قيمة الحقل تزيد عن الأرقام التي تتحدث عنها شركة (غاز بروم) وتصل إلى 20 مليار دولار.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد أعلنت منذ أسابيع عن قلق الولايات المتحدة من نزعة التأميم في ميدان النفط والغاز في روسيا، في إطار تكريس فكرة سعي موسكو لتأميم مصادر الطاقة والسيطرة عليها، وأضافت إن واشنطن تدعو إلى تنويع تجهيزات الطاقة من أجل أن تصل إلى «أدنى حد» إمكانية استخدام أي بلد للنفط والغاز بمثابة سلاح.
ويبدو أن قرارات الحكومة التي ترجمت إلى خطوات عملية في إطار تطبيق سياسة إغلاق المشاريع الاستثمارية الاستراتيجية الكبرى على المؤسسات الحكومية، وإقصاء الشركات الخاصة عن العمل في هذه المجالات الحيوية بالنسبة للاقتصاد الوطني.
إضافة لقانون منع توظيف استثمارات أجنبية في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الروسي، والذي يتضمن منعا صريحا لامتلاك الأجانب لحصص في منشآت استراتيجية وفي الشركات الروسية التي تعمل في القطاعات الاستراتيجية إلا بموافقة رئيس الدولة، ويحدد الحصة التي يمكن أن يتملكها الأجانب في مؤسسة من المؤسسات «الاستراتيجية» بما لا يزيد على 25 بالمائة، قد أثار قلقا في الأوساط المالية الروسية والغربية، وينطبق القانون على مؤسسات الصناعة الاستخراجية (أي صناعة النفط والغاز والماس والفحم.. الخ). ومن الممكن أن يطبق القانون على شركات اتصالات أيضا.
مركز دراسات الطاقة
روسيا