أحداث كثيرة أغلبها مفرحة وتعبر عن روح التحدي والتفاؤل الممزوج بالأمل وقعت في مثل هذه الأيام وتحديدا في الثلث الأخير من شهر يوليو على امتداد مساحات الوطن العربي عامة ومصر خاصة.

ففي الثالث والعشرين من يوليو 1952 فجر الشعب العربي في مصر أول ثورة ناجحة قلبت نظام الحكم الملكي، وقلبت بعد ذلك ثورة يوليو مفاهيم كثيرة كانت سائدة فألقت بها إلى متاحف التاريخ وأصبحت ذكريات يجترها من تسيد على عرش مصر من الغرباء عقودا طويلة وليتربع على سدة الحكم في مصر المحروسة لأول مرة احد أبنائها الأحرار.

وليحمل على كاهله بعد ذلك راية النهوض بمصر والأمة العربية والإسلامية، وليمتد تأثيره ليشمل كل الشعوب التي كانت تطمح في نيل استقلالها والتحرر من الاستعمار في إفريقيا السمراء وآسيا وأميركا الجنوبية وكل ما عرف بشعوب العالم الثالث.

عظيمة يا مصر العروبة التي انطلق من على أرضك صوت الشاب الأسمر مجلجلا «ارفع رأسك يا أخي فقد ولى زمن الاستعباد»، وأجمل الأيام عاشتها مصر والأمة العربية والإسلامية بعد ذلك هلت بشائر الخير، من اتفاقية الجلاء يوليو 1954 إلى تأميم قناة السويس 26 يوليو 1956.

إلى افتتاح اول مجلس امة في يوليو 1957 فاعلان أول تجربة وحدوية عربية معاصرة عام 1958 وبعدها إعلان قرارات التأميم والاشتراكية في يوليو 1961، وقرارات أخرى كثيرة على الصعيد المصري والعربي والعالم التي كلها كانت عظيمة عظمة الشعب العربي المصري وقائده الذي بادله العطاء بالحب والوفاء والالتفاف حوله.

حتى في أحلك الساعات واللحظات في أعقاب هزيمة عام 1967، برفض قرار عبد الناصر بالتنحي ودعمه لقرار إعادة بناء الجيش المصري وإقامة حائط الصواريخ استعدادا لإزالة أثار عدوان عام 1967، ثم الخروج في أكبر جنازة عفوية وصادقة عرفها العالم في سبتمبر 1970 بعد أن أسلم روحه لخالقه جل جلاله وأغفى إغفاءته الأخيرة قرير العين بعد أن أطفأ نار الفتنة الأهلية في الأردن بين السلطة الأردنية والثورة الفلسطينية عام 1970.

عظيمة يا ثورة يوليو التي أطلقت المارد من عقاله وفجرت طاقات الشعب العربي في مصر وخارجها، فكانت أزهى فترة أثمرت أدباً وثقافة وعلما وصناعة وزراعة ما زلنا نحصد نتائجها حتى يومنا هذا والى ما بعد هذا اليوم إن شاء الله. فلولا مجانية التعليم ونشر الثقافة لما وصل نجيب محفوظ إلى العالمية والفوز بجائزة نوبل للآداب، ولما حصل أيضاً الدكتور احمد زويل على نوبل في العلوم، ولما سمعنا باسم الدكتور فاروق الباز عالم الفضاء الشهير، وغيرهم كثير.

وبمناسبة الحديث عن العالم فاروق الباز فإنني أتذكر حديثه جيدا عن بناء السد العالي وما عرف ببحيرة ناصر وكيف حمت ارض الكنانة من أخطار الفيضانات والعطش، وان منافع السد لا تعد ولا تحصى بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء.

وكنت طفلا صغيرا عندما كان يروي الحاج رشيد لوالدي رحمهما الله قصة بناء السد العالي وهما يتسامران في آخر الليل وأنا استمع باندهاش، وكيف ذهب ناصر «للمسكوب» ـ والمقصود بذلك الاتحاد السوفييتي ـ طالبا تمويل عملية بناء السد بعد أن رفضت الولايات المتحدة الأميركية تمويل السد وشككت في الفائدة منه ووضعت العصي في الدواليب.

نتذكر كل هذه الأحداث والذكريات وكأنها شريط سينمائي يمر أمام شاشة الذاكرة، ونحن نرى وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط ونظيره الأردني عبد الإله الخطيب يصافحان رئيس الوزراء الصهيوني «إيهود أولمرت» لإقناعه بتسويق وتمرير مشروع المبادرة العربية للسلام، وكان جوابه بكل صلف «نحن نريد وزراء خارجية عرب آخرين يأتون لزيارتنا للتفاوض بشأن المبادرة»، بمعنى «التطبيع قبل السلام».

أخيرا نحن لا نفقد ثقتنا في الشعب العربي من محيطه إلى خليجه وخاصة في مصر و الأردن لينهض من كبوته، وينفض عنه غبار مرحلة لن تكون إلا عابرة في التاريخ العربي الإسلامي المليء بالعهود المضيئة والرافض لكل معتد ومدنس للمقدسات رغم جسامة التضحيات.

musaabueid@hotmail.com