في آخر المشاهد الدولية أو لعلها آخر المهازل تجاه السودان العربي الأفريقي، جرى التحرك البريطاني الفرنسي المحموم والمدعوم أميركيا بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، في محاولة جديدة لفرض الإذعان على السودان لقبول تدخل 26000 من القوات الدولية.

مازالت لغة الإملاءات والتهديدات الأنجلو ـ فرانكو ـ أميركية الاستعلائية تهيمن على صياغة مشروعات القرارات الأممية في مجلس الأمن الدولي، الذي تحول إلى أداة أميركية ضد الحكومة السودانية إذا لم تذعن للضغوط الأطلسية لنشر القوات الدولية في دارفور فورا.. وهى طبعا محاولة ثنائية جديدة للتسلل من شباك دارفور لاستعادة النفوذ القديم في مستعمراتهما السابقة تحت غطاء أممي، بعد خروج الاستعمار الإنجليزي من السودان والفرنسي من تشاد من الباب الواسع على أيدي الشعبين الجارين.

كما أنها استمرارا للمسلسل الغربي المرفوض والممجوج تحت غطاء دارفور، والذي يكشف للمراقبين أن لندن وباريس مازالتا تعيشان بعقلية الاستعمار القديم بينما تعيش واشنطن حلم وراثة النفوذ الاستعماري لهاتين العاصمتين في أفريقيا والوطن العربي. ولا تملك الدوائر العربية والأفريقية والإسلامية الرسمية والشعبية أن تخفي دهشتها واستغرابها واستياءها لردود الفعل غير المنطقية وغير الطبيعية على التجاوب السوداني المرن مع الجهود الأممية والأفريقية والعربية في اتجاه الحل السلمي لمشكلة إقليم دارفور.

خصوصا وأن هذه الحلقة الجديدة من ذلك المسلسل العدائي القديم تأتى في أعقاب المؤتمر الدولي الثاني بشأن دارفور الذي نظمته الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية في العاصمة الليبية طرابلس، برعاية الزعيم الليبي «معمر القذافي» المكلف من القمة الأفريقية بملف دارفور، والذي دعا المتمردين بالسلاح إلى وقف الأعمال العدائية والتوجه إلى مؤتمر «أروشا» بتنزانيا الشهر القادم للتفاوض مع الحكومة والتوقيع على اتفاق السلام.. وفي أعقاب قيام الرئيس السوداني عمر البشير مع جميع وزراء الحكومة السودانية بزيارة لإقليم دارفور منقولة إلى العالم عبر الفضائيات، افتتح خلالها عددا من مشروعات التعمير والخدمات لأربعين قرية سودانية لإعادة توطين اللاجئين لحل المأساة الإنسانية ونشر السلام في الإقليم.. واتهم في خطاب ألقاه في المؤتمر الشعبي في «الفاشر» كلا من لندن وباريس وواشنطن بأنهم لا يريدون سلاما في دارفور ولا وحدة للسودان، بل السيطرة وحدهم على النفط واليورانيوم.

إن المخططات الثلاثية تجاه السودان ووضعهم له في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 93، وفرض قانون «أمن دارفور» و«سلام السودان» وانتهاء بفرض العقوبات الأميركية والأممية عليه واضح للعيان، أنها استجابة لجماعات الضغط الصهيونية والأنجليكانية والزنجية الأميركية المعبأة بالعداء لعروبة وإسلام واستقلال السودان. كما أن محاولات تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ من أقطار العالم العربي والإسلامي، وإثارة التناقض بين العرب والأفارقة تجري على قدم وساق، من آخر حدود الوطن العربي على المحيط الأطلسي إلى آخر حدود الأمة الإسلامية على المحيط الهادي.

فهل بعد هذا يمكن أن يصدق أحد أن هذا «المجتمع الدولي» الذي لا يذرف دمعة على «المأساة الإنسانية» الأكبر للشعب الفلسطيني وسبعة ملايين من اللاجئين، وحصار التجويع على مليون ونصف في غزة.. ولا يفرض عقوبات دولية على مرتكبي الاحتلال الأنجلو أميركى للعراق الذي خلف حتى الآن مليون شهيد عراقي وأربعة ملايين من اللاجئين، يمكن أن تسيل دموعه على «المأساة الإنسانية» الأصغر في دارفور؟!

وهل يعقل أحد أن هذا المجتمع الدولي الذي استطاع حبس دموعه على قضية ما زالت سابحة في بحار من الدماء والدموع على مدى 60 عاما، لم يستطع مغالبة دموعه على قضية لم يتجاوز عمرها خمس سنوات فانهمرت فجأة حتى فاضت أنهارا.. أنهارا؟!

وهل يمكن لأحد أن يقتنع أن حل القضايا الإنسانية المتمثلة في التشرد والجوع والمرض والعطش، هو بنشر القوات الدولية وبأطنان القنابل والمدافع وبالدبابات والطائرات والعقوبات، وليس بتوفير المساكن للإيواء والغذاء والدواء والكساء والماء؟! وأخيرا.. هل يمكن لدعاة إقرار السلام بقوات دولية، تحقيق السلام نتيجة دعمهم لمن يرفعون السلاح ويرفضون التوقيع على اتفاق «أبوجا» للسلام؟!!

mamdoh77t@hotmail.com