الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش يعترف في مقابلاته المتلفزة بان اكثر زعيم في العالم يتصل به هاتفيا هو السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق، واللافت انه رغم كل هذه الاتصالات التي تستغرق ساعة في بعض المرات، من قبل رئيس الدولة الاعظم في التاريخ لم تؤد إلا الى زيادة الوضع تدهورا في العراق.
فانجازات السيد المالكي على الارض تبدو محدودة، ان لم تكن معدومة، مما يؤكد ان هذه الاتصالات مجرد ثرثرة دون اي فائدة بين رئيسين مفلسين يخرجان من فشل ليقعا في آخر.
بالامس فقط حدث تطوران مهمان على صعيد الاوضاع في العراق، الاول تمثل في مقتل ثمانية جنود اميركان دفعة واحدة في منطقة الانبار، والثاني في تهديد جبهة التوافق العراقية السنية بالانسحاب من الحكومة اذا لم تتحقق مطالبها في المساواة واطلاق سراح المعتقلين في غضون اسبوع.
مقتل هذا العدد الضخم من الجنود الاميركيين في يوم واحد، وفي منطقة الانبار التي يقول المسؤولون العسكريون الاميركيون انهم قضوا على المقاومة، وعناصر تنظيم القاعدة فيها، عن طريق رشوة شيوخ العشائر، يضيف تأكيدا جديدا على فشل الخطط العسكرية الاميركية في العراق.
اما تهديد جبهة التوافق بالانسحاب من الحكومة فيؤكد هو الآخر بان وعود السيد المالكي في تحقيق المصالحة الوطنية، لا يمكن ان تعطي ثمارها، حتي مع اكثر الاطراف السنية اعتدالا وانخراطا في العملية السياسية المدعومة اميركيا.
فاذا كان هناك شبه اجماع على ان الرئيس جورج بوش محدود الذكاء، وان حال السيد المالكي ليست افضل كثيرا، فان علينا ان نتصور نتائج المشاورات بين الاثنين والنصح المتبادل بينهما. الامر الذي يلقي الضوء على احد اسباب هذه الاخفاقات المتتالية في العراق.
الرئيس بوش يريد من صديقه وحليفه السيد المالكي ان يكون رئيسا لكل العراقيين وليس لابناء مذهبه الشيعي فقط، ولكن ما يريده الرئيس بوش وما يريده السيد المالكي شيء آخر.
وحتي نكون منصفين يجب علينا الاعتراف بان الرئيس بوش يظلم السيد المالكي عندما يطالبه بشيء خارج نطاق قدراته وتركيبته النفسية وتربيته العقائدية والسياسية.
السيد المالكي هو نتاج حزب سياسي عراقي طائفي اعتمد العمل المسلح كوسيلة للتغيير ضد النظام العراقي السابق، وتربي في احضان الحرس الثوري الايراني، ولذلك من الصعب عليه ان ينقلب على تاريخه ومذهبه دفعة واحدة، ويصبح زعيما ليبراليا متسامحا ينظر الى جميع العراقيين من المنظار نفسه، لا يفرق بين ابناء مذهب وآخر.
الخطأ الاساسي يكمن في رهان الرئيس الاميركي على هؤلاء لادارة العراق وتحويله الى واحة للمساواة والعدالة والتعايش والاستقرار والازدهار، ولذلك اي محاولة للاصلاح تبدو غير ممكنة ان لم تكن مستحيلة، حتي لو ظل الرئيس الاميركي يهاتف صديقه المالكي ليلا نهارا، فالطبع يغلب التطبع.
الرئيس بوش خسر حربه في العراق، مثلما خسرها في افغانستان، وما عليه الان الا الاعتراف بالهزيمة، ووضع جدول زمني لسحب القوات الاميركية في اسرع وقت ممكن لتقليص الخسائر، وانقاذ الجنود الاميركيين من دوامة الموت التي تبتلعهم بالتقسيط غير المريح.
