الى جانب حمامات الدم التي تغطي معظم مدن العراق، والتي كان آخرها وأبشعها اغتيال فرحة شعب الرافدين بانجازه الرياضي الذي جاء وسط المحن التي يعيشها، هناك مأساة أخرى من الحصاد المر الذي جلبته الحرب، ألا وهي مأساة اللاجئين العراقيين الذين تتزايد أعدادهم يوميا الى درجة انه يقال إن أكثر من 50 ألف أسرة عراقية تخرج من ديارها كل شهر.
الأرقام تقول إن عدد اللاجئين من أبناء الرافدين خارج الحدود يقترب من 5,2 مليون لاجئ، من بينهم قرابة 5,1 مليون في سوريا، و750 ألفا في الأردن، هذا الى جانب أكثر من مليوني نازح داخل حدود العراق. وهؤلاء فروا من قراهم ومدنهم هربا من شبح الموت الذي يطاردهم كل لحظة.
يكاد يكون ربع أبناء الرافدين هم من اللاجئين الآن. فالأعداد تتزايد بشكل مخيف، وكل رب أسرة عراقي يهمه أن ينجو أبناؤه من مصير محتوم يواجههم طوال الوقت. فالتفجيرات المتواصلة وحوادث الخطف والاغتيال وانعدام الظروف المعيشية التي تعين على الحياة، كل ذلك يدفع أي مواطن عراقي الى أن ينزح من داره بحثا عن مكان آمن بأي ثمن.
هذه المأساة التي صنعها الاحتلال الذي تحولت وعوده بالأمان والرخاء والحرية الى وهم، تتفاقم الى حد كبير. والمثير - كما كشفت صحيفة الجارديان البريطانية منذ أيام - أنه بالرغم من فرار العراقيين بالملايين من بلادهم، الا أن الولايات المتحدة لم تستقبل إلا عددا ضئيلا منهم منذ اندلاع الحرب.
وحسب الصحيفة، فإن ذهاب العراقيين الى الأراضي الاميركية يحتاج الى «واسطة»، وبالتحديد إلى أصدقاء ذوي نفوذ للدخول إلى الولايات المتحدة.
والوضع يتفاقم الآن إلى درجة أن السفير الأميركي لدى العراق راين كروكر بنفسه، حث حكومته على استقبال أعداد أكبر من اللاجئين العراقيين، وبعض النواب الديمقراطيين الأميركيين قاموا بحملات لسن قوانين تسمح للعراقيين بطلب حق اللجوء في البلاد. ولكن في حين كانت الإدارة الأميركية تعهدت بفتح الأبواب لسبعة آلاف لاجئ في بداية هذا العام، قالت وزارة الخارجية فيما بعد إنها تعتزم استقبال ألفي لاجئ بحلول سبتمبر المقبل.
على أي الأحوال، لا بد من تكاتف الجهود للتخفيف من حدة هذه المأساة. وأمس بدأ في العاصمة الاردنية عمان مؤتمر لمساعدة اللاجئين العراقيين، يشارك فيه مسؤولون كبار من سوريا والاردن ومصر والعراق، في حين تحضره تركيا وايران وروسيا واليابان وبريطانيا والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة كمراقبين.
ويركز المؤتمر على سبل دعم الاردن وسوريا ومساعدتهما على استيعاب الاعداد الكبيرة من اللاجئين، بعد ان طلبت المفوضية العليا للاجئين من المجتمع الدولى ان يضاعف موازناته المخصصة للاجئين العراقيين بحيث تصبح 123 مليون دولار. والمفوضية تشدد على ان البنى التحتية الصحية والتربوية والسكنية فى سوريا والاردن تواجه صعوبات فى استيعاب جيوش اللاجئين.
وباعتراف منظمة العفو الدولية تحرص سوريا على أن تفتح حدودها للاجئين العراقيين، وتتعامل بشكل ايجابي جدا مع حاجات العراقيين. لكن كما تقول المنظمة ينبغي عدم ترك سوريا والاردن بمفردهما لتحمل عبء الازمة.
ان الذين صنعوا المأساة، عليهم أن يكونوا في طليعة من يقدم يد العون لكل نازح عراقي هجر وطنه المنكوب، ويريد مأوى آمناً لحين أن تنفرج الأزمة وتجف الدماء من فوق أرض الرافدين.
