بالعقل والحكمة، ومن مرارة التجربة الطويلة التي دفع الفلسطينيون ثمنها الكبير على امتداد ثلاثة عقود، ترسخت قناعة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومعهم غالبية قواهم السياسية بأن مصلحتهم في إقامتهم المؤقتة في لبنان تكمن في مغادرة حدود المعادلة اللبنانية ـ اللبنانية وتعقيداتها، وفي اشتقاق طريق الحوار المشترك مع الطرف اللبناني الرسمي وحتى الشعبي لرفع الظلم الاجتماعي والحيف الذي لحق بهم ومازال نتيجة القوانين اللبنانية التي ضيقت عليهم سبل الحياة، ومنها القوانين المتعلقة بالعمل والتنقل.

وبالعقل والحكمة، تصرف الفلسطينيون في لبنان مع اندلاع أزمة ما يسمى بـ «فتح الإسلام»، حيث لم يعد ممكناً أن تتورط مجموعات فلسطينية وطنية في تحويل ساحات وأزقة التجمعات والمخيمات الفلسطينية إلى ميادين للاقتتال المجاني بين مختلف الأطراف المتصارعة ذات الأجندات والبرامج البعيدة عن هموم الفلسطينيين وهموم قضيتهم. فقد بات واضحاً أن الحالة الأخيرة التي أطلت بنفسها عبر عنوان فلسطيني اسمه «فتح الإسلام» لا علاقة لها بفلسطين أو بشعبها لا من قريب ولا من بعيد.

هذا الكلام يأتي أيضاً، تعليقاً على ما جرى مؤخراً في الشمال اللبناني من اشتباكات الجيش اللبناني مع مجموعات مسلحة، وما وقع تزامناً معها من حادثة لا مبرر لها على الإطلاق، تمثلت بإطلاق النار على مجموعات من اللاجئين الفلسطينيين الذين حاولوا العودة من مخيم البداوي إلى مخيم نهر البارد.

فما جرى في نهر البارد، وبعض مناطق مدينة طرابلس اللبنانية بين «فتح الإسلام» ومعها مجموعات لبنانية تحمل الطابع الأصولي من اشتباكات دموية طاحنة مع الجيش اللبناني تأتي في سياقات مضادة للحالة الفلسطينية وللسلاح الوطني الفلسطيني في لبنان والموجود بيد القوى الشرعية الفلسطينية الممثلة بفصائل العمل الوطني والسياسي المعترف بها.

فالفلسطينيون هناك ودعوا ورموا خلف ظهورهم مرحلة التطاحن والاقتتال الداخلي، ولم يعد ممكناً أمام أي كان أن يجر الشعب الفلسطيني في لبنان إلى ساحات الخراب والدمار والعبث الداخلي تحت مظلة الشعارات المزيفة التي تخفي ما تخفي وراءها.

ومنذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، انكفأ السلاح الفلسطيني باتجاه المخيمات في منطقتي صيدا وصور، في سياق الحفاظ على الأمن الداخلي والتصدي للهجمات الإسرائيلية المعتادة مع غياب الشرعية اللبنانية، التي مازالت تتحفظ حتى اللحظة الراهنة على دخول المخيمات وإنهاء واقع الحديث المتواتر الذي ينظر للمخيمات باعتبارها جزراً أمنية على أرض السيادة اللبنانية ومرتعاً للهاربين والفارين من القانون.

فمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الجنوب محاصرة عملياً من كافة المداخل الرئيسية بحواجز الأمن اللبناني التي تدقق بهوية القادمين والمغادرين من المدنيين، في ظل مأساة الانتشار الفوضوي لبعض المظاهر المسلحة من قبل أطراف ليست فلسطينية بالمطلق ولا علاقة لها بمنظمة التحرير الفلسطينية، وزادت أشكالها وأسماؤها.

وتحديداً مع تحول مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا إلى ملجأ وقاعدة إقامة لها، ومن هناك بدأنا نسمع الحديث المتواتر عن وجود أفراد من جهات أصولية لبنانية وعربية فروا من مناطق الضنية من طرابلس ـ شمال لبنان بعد مطاردات مع قوى الأمن اللبنانية، وبعضها من الأطراف المحسوبة على تنظيم القاعدة.

وإذا كان هناك من إشكالية تتعلق بتواجد فصيلين من الفصائل الفلسطينية في مراكز عسكرية خارج المخيمات، فان طريق الحل سهل وممكن، خصوصاً وأن المراكز المشار إليها تحولت منذ زمن إلى مراكز اجتماعية وصحية، إضافة إلى أن الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة عضو في الشرعية الفلسطينية، وأقصد منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1968، وفي اللجنة التنفيذية للمنظمة منذ العام 1974.

وعليه فان الاحتكاكات والمعارك النارية التي جرت قبل أيام في مدينة طرابلس الشمال بين الجيش اللبناني ومجموعات لبنانية مسلحة، هي احتكاكات لبنانية ـ لبنانية، وليس للفلسطينيين من علاقة بها. فاتقوا الله في عباده وأبعدوا، هذا التراشق الناري والسياسي عن الفلسطينيين ان لم تستطيعوا الكف عنه.

كاتب فلسطيني