من بين التجارب التقدمية القليلة في العالم الإسلامي التي يمكن أن تقدم نماذج مضيئة للتجارب الديمقراطية الأقرب للمعايير السليمة، والتي نجحت بنسبة عالية في حل التناقض الوهمي بين الشورى الإسلامية والديمقراطية السياسية، وبين النهضة الإسلامية والتنمية الاقتصادية، وبين العدالة الإسلامية والديمقراطية الاجتماعية، وبين الحقوق والواجبات الإسلامية والإعلانات العالمية للحقوق الإنسانية..

تبدو التجربة الماليزية التي قادها الدكتور «محاضر محمد»، والتجربة التركية التي يقودها الدكتور «طيب أردوغان» في المقدمة حسبما تشير شهادات المنظمات الدولية، وحسبما يتراءى للعديد من المراقبين في الشرق والغرب للمشهد السياسي في البلدين على السواء، وبحساب درجات التقدم ومعدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي.

ومع عدم الحرص على إغفال الحديث عن تجارب إيجابية أخرى كالتجربة، الإندونيسية مثلا وغيرها من التجارب التي صاغت نماذجها بمزيج من الرؤية الإسلامية وآليات وأشكال الديمقراطية التقليدية، إلا أن ما يخطف الأضواء من كل تلك التجارب، ويستأثر بالاهتمام ويستدعي الدراسة والمتابعة الآن هو التجربة التركية التي ترتسم فلسفتها ومؤسساتها وممارساتها وآلياتها ونتائجها ودلالات تجديد الثقة الشعبية فيها واضحة أمامنا بكل أضوائها وظلالها.

فبعد دورة قصيرة لكنها كاملة على مدى خمس سنوات حافلة بالاختبارات الداخلية الكبرى النظرية والتطبيقية للديمقراطية وللتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والمسائل الخارجية وما يتصل فيها بالعلاقات التركية العربية أو التركية الغربية الأوروبية والإسرائيلية والأميركية، لا يختلف اثنان على أن حزب العدالة والتنمية التركي قد نجح في الامتحان بامتياز وأجاب عن العديد من الأسئلة المطروحة عليه داخليا وخارجيا فكريا وتنفيذيا بذكاء كبير.

بما يضع أمام التجارب والمحاولات الديمقراطية في العالم العربي القديمة والحديثة، نموذجا حيا للنجاح السياسي في التنمية وفي الديمقراطية، ليس لمحاكاته، وإن كان لا عيب في محاكاة التجارب الإنسانية الناجحة في أي مكان في العالم، ولكن لدراسته ولمعرفة أن نجاح هذا التوجه التركي الجديد رصيد إضافي للعرب مثلما هو للأشقاء الأتراك.

ويكفي أن نقرأ مثلا نتائج التقدم الاقتصادي وأرقام ومعدلات التنمية الاجتماعية المتصاعدة، أو ما يتعلق بكبح جماح التضخم والفساد الإداري والمالي، وإقامة المناطق الحرة مع دول عربية كمصر والمغرب، وزيادة التعاون التجاري مع دول عربية وإسلامية أخرى كإيران ودول الخليج وسوريا والجزائر، وزيادة مساحة التأمينات والخدمات والحريات، والأهم ارتفاع مستوى معيشة المواطنين ونجاح الإدارة التركية في توصيل الإحساس بهذا التقدم.

ويكفي أن نقرأ مثلا المواقف السياسية التركية المتوازنة والشجاعة الانفتاحية تجاه العرب وأوروبا، والإيجابية تجاه سوريا والسلبية تجاه إسرائيل، والاعتراضية تجاه أميركا، حينما عارضت العدوان على العراق ولم تأبه بالتهديدات، ورفض البرلمان بغالبية العدالة والتنمية استخدام قاعدة «أنجرليك» لشن هذا العدوان، بينما قبلت للأسف دول عربية أن تنطلق هذه الطائرات من قواعد بأراضيها أو من حاملات في مياهها!

وفي سابقة هي الأولى في التجربة الانتخابية التركية التي لم تبدأ إلا في العام 1945 فقط، يجدد الشعب التركي تفويضه لأحد الأحزاب بنسبة أكبر من حجم الثقة في المرة الأولى، إذ حصل حزب العدالة والتنمية الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة على نسبة 47% وهو ما يزيد على النسبة التي فاز بها في انتخابات عام 2002 وهي35% بزيادة 12%.. فما معنى ذلك؟

وفي سابقة هي الثانية في التجربة الانتخابية التركية، التي أعقبت سيطرة حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي الواحد بقوة العسكر على الحكم من عام ـ 23 ـ إلى عام 45، منح الشعب التركي ثقته لحزب العدالة لدورتين متتاليتين، بعد السابقة المأساوية الأولى للحزب الديمقراطي بزعامة «عدنان مندريس» الذي أعدمه جنرالات العسكر بعد انقلابهم على الديمقراطية عام 1960..

فماذا نقرأ من ذلك كله؟.. يمكنكم الإجابة.

mamdoh77t@hotmail.com