حتى الآن ما زال تقرير لجنة فينوغراد الاسرائيلية يشق طريقه ويزلزل أركان الجيش والسياسة الاسرائيلية ويطيح بضباط ووزراء ويؤرجح المستقبل السياسي لايهود اولمرت. فالتقرير الطويل هو شكل من أشكال إعادة صياغة الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
على الجانب الآخر شكلت السلطة الفلسطينية لجنة تحقيق في أسباب هزيمتها العسكرية وحركة فتح امام حركة حماس، حيث تمكن بضعة آلاف من مسلحي حماس من اجبار عشرات الآلاف من افراد الأمن الرئاسي والأمن الوطني وأجهزة الأمن على الاستسلام دون قتال يذكر.
لكن ما يستشف الآن من عمل اللجنة انه يركز على الجانب الأمني والعسكري ولا يصل إلى المستوى السياسي. فالعسكري الفاشل يقوده سياسي فاشل.
ولا يمكن ايضا التحقيق في كارثة غزة بمعزل عن ما سبقها من ترد للوضع الفلسطيني واغلاق ملفات الفساد واستمرار حالة الترهل العسكري وتحول أجهزة الأمن إلى أجهزة شخصية لقادتها لا أهداف لها الا حماية مصالحها ومصالح قادتها.
وقد نجحت حركة حماس عمليا في اختراق هذه الأجهزة، سواء بتجنيد عناصر منها سياسيا او بتسريب الآلاف من عناصرها في أجهزة الأمن كجنود أو شرطة، ثم كسب ولاء عشرات من كبار الضباط سواء بالترغيب او الترهيب، وهذا كله أدى إلى استسلام كتائب للأمن الفلسطيني دون قتال.
عمل اللجنة الفلسطينية سيكون قاصرا لأنه يتناول النتائج وليس الأسباب وخلفياتها. فكيف يساءل عنصر على عدم قتاله او دفاعه عن موقعه إذا كان ضابطه قد فر او طلب منه عدم الرد؟
وربما لا يكون العنصر في موقعه لأن ثمة أكثر من عشرين ألف عنصر أمن كانوا عينوا في السنوات الأخيرة دون ان يلتحقوا بمواقعهم البتة؟ وكيف يسأل عنصر أمن وهو لم يتقاض رواتبه على مدى ثمانية اشهر حيث تجاهلتهم حكومة حماس وتجاهلهم الرئيس أيضا، فيما كانت حركة حماس تجزل العطاء لمقاتليها مالا وسلاحا وتدريبا؟
عمليا لا يمكن لوم العسكري البسيط لأنه اهمل طويلا، واغلب عناصر الأمن كانوا غير مسلحين ايضا اي لا توجد بنادق تكفي لعددهم. العسكري هو آخر من يسأل في هذا الوضع طالما ان الحرس الرئاسي الذي كان موضع رعاية وعناية لم يقاتل وسلم اسلحة ثقيلة لحماس لم يستخدمها، بينها مضادات رشاشة للطائرات تكفي لصد أية هجمات.
وتبين أن الحرس الرئاسي مخترق من قبل حماس فحراس قادته كانوا من حركة حماس. وسبق ان ظهر اختراق حماس للحرس الرئاسي في رام الله، حيث تبين بعد فرز اصواتهم إبان الانتخابات في مقر المقاطعة ان نسبة كبيرة منهم صوتت لحماس في الانتخابات.
اختراق حماس ليس وحده هو السبب في انهيار قوات السلطة، إذ غابت عن هذه القوات القيادة المشتركة وغابت التعبئة المعنوية، لأن العسكري لم يقل له احد لماذا سيقاتل ضد اي هجوم لحماس؟
هل سيدافع عن امتيازات قادته ومنازلهم وسياراتهم او مثلما قال احد الضباط كنت سأقاتل ولكن فكرت إذا قتلت المهاجمين فإنني ايضا سأبقى رهن السجن الاسرائيلي الكبير في غزة ففي النهاية نحن نقتتل داخل سجن تتحكم فيه إسرائيل.
فالتعبئة لدى عناصر حماس كانت دينية بحتة ضد مرتدين وكفار وعملاء لاسرائيل وأميركا، فيما أن جهاز التعبئة او التوجيه السياسي العسكري الذي يضم أكثر من ألف موظف لا يعمل مطلقا ولا يوجه ولا يعبيء العسكر. وكذلك جهاز تعبئة فتح، فهو معطل بسبب تناحر قادة فتح في غزة.
لجنة التحقيق الفلسطينية لم تسأل وزراء الداخلية السابقين عن أخطائهم، ولم تسأل وزيرا عن سبب اعادته ضباطاً اتهموا بالتورط في شبكة دعارة رسمية كانت تقوم باستدراج مسؤولين وبعض الوزراء ورجال اعمال بواسطة نساء إلى شقق مفروشة وتصويرهم هناك لابتزازهم ماليا ومعنويا. اذ يبدو ان جهاز الأمن الوقائي كان يركز على قضية كهذه أكثر من تركيزه على قضايا وطنية.
فاللجنة يجب ان تساءل سياسيين ووزراء واعضاء لجنة مركزية في حركة فتح لم يفعلوا شيئا لتوحيد الحركة وما زالوا لا يفعلون وكأنهم غير معنيين بالكارثة، وكل ما فعلوه هو الهرب إلى الضفة الغربية وكأن شيئا لم يكن، وبعض قادة فتح فر إلى الضفة بواسطة حماس نفسها بعد ان جردوا من اموالهم التي حملوها.
لن يكون هناك زلزال سياسي بسبب نتائج التحقيق هذا، لأنه سيقتصر على الصغار وعلى الجانب العسكري وليس السياسي، ولن يفتح ملفات فساد سابقة تم إغلاقها، ولن يسأل قادة أمن عن الملايين التي جمعوها واين هي؟
وعن اتصالاتهم الخارجية. ولن يسأل قادة فتح عما اقترفوه، ولن يجرؤ أحد على مساءلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس باعتباره المسؤول الاول عن الكارثة، فهو حتى الآن يضع نفسه في موقع الضحية الذي خدعته حركة حماس، لكنه لم يتحمل اي جزء من المسؤولية. واذا لم يتحمل اي جزء فانني اشك في قدرته على الخروج من الأزمة ومواجهة نتائجها. فمن لا يتحمل قسطه من المسؤولية لا يستطيع تحميلها لغيره من الكبار، بل من الصغار فقط.
فهو لم يعط اية مؤشرات او تعليمات صارمة لاعادة بناء فتح على أسس حركية سليمة وشد مفاصلها في الضفة الغربية، وهو رغم تشكيله حكومة جديدة برئاسة سلام فياض ما زال يحتفظ لنفسه بالصلاحيات التي أخذها من حكومة اسماعيل هنية ولم يعدها إلى الحكومة الحالية، وما زال يحيط نفسه بجيش من المستشارين وكأن الحكومة غير موجودة.
تحقيقات كثيرة يحتاجها الوضع الفلسطيني إذا أريد إعادة الأمور إلى نصابها، لكن كل هذا يحتاج إلى رجال أقوياء.. والساحة خالية منهم حتى تاريخه. فالقضية الفلسطينية تتراجع لحساب الصراع الداخلي الذي لن يحسم لصالح أي طرف، ربما بعد انهاك الشعب الفلسطيني لتكون قضيته قضية شعب بلا رواتب وليس بلا دولة.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ــ فلسطين