لم نتعجب من الأصداء الواسعة التي حظيت بها زيارة الرئيس الفرنسي الجديد إلى دول المغرب العربي مؤخراً، لأن الأمر يتعلق بإعادة تشكيل العلاقات الدولية على أسس استراتيجية مختلفة في إقليم البحر الأبيض المتوسط شديد الحساسية والذي تنعكس التطورات فيه على العالم بأسره بسرعة وبطريقة العدوى منذ ثلاثة آلاف سنة.

فالمغرب العربي يقع في منعطف طرقات الجغرافيا والتاريخ والحضارة بين قارات إفريقيا وأوروبا وآسيا، ويحمل بالطبع هموم التحولات العملاقة التي تطرأ على العصر من جراء العولمة وإلغاء الحدود وانتقال الأفكار والإيديولوجيات والبشر والبضائع بخيرها وشرها بين الأمم.

ثم إن الأحداث الأخيرة منذ سبتمبر 2001 أكدت سرعة انتقال بذور العنف من المشرق إلى المغرب بسبب اتساع وسائل الاتصال وانتشار أجهزة الإعلام والتحام شعوب العرب والمسلمين أمام القهر والتحديات والمظالم.

لكن هذه الحقائق ليست هي الأهم في زيارة ساركوزي إلى الجزائر وتونس في انتظار زيارة الرباط، لأن القوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا أو الصاعدة كالصين أو التي كانت إمبراطوريات ثم أفل نجمها كفرنسا وبريطانيا،

تسعى جميعا إلى تقاسم الغنائم في مطلع القرن الحادي والعشرين، تماما كما تقاسمت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية غنائم العالم الإسلامي العثماني في بداية القرن العشرين بواسطة معاهدة سايكس بيكو يوم 16 مارس 1916.

نعم! إن التاريخ كما يقول فرناند برودل فيلسوف التاريخ مسلسل إعادة إنتاج للفواجع الإنسانية بأشكال مختلفة، لكن بذات المنطلقات ونفس الآثار والتداعيات الفادحة. ونحن العرب إذا لم نستيقظ على هذه الحقائق الخالدة والنواميس الدائمة في منطق التاريخ سنجد أنفسنا بعد صفقات تقاسم الغنائم مجرد بضاعة بخسة الثمن في سوق المزايدات الدولية بلا أي تحكم في مصائرنا.

إن مشروع الاتحاد المتوسطي الذي يدعو إليه ساركوزي لا يخفي برامجه وراء الأصباغ والمساحيق، بل يعلن بأن الغايات الأمنية (لحماية الاتحاد الأوروبي!) هي الأولوية لباريس، مع تأكيده في تونس بأن أولوية الدبلوماسية الفرنسية هي أمن إسرائيل أولا ثم إنشاء دولة فلسطينية ثانية، مع أن الرئيس الفرنسي هو سيد العارفين بأن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 1967 جعل تأسيس دولة فلسطينية أمرا مستحيلا!

إن الغرب بما فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لايزال يتعثر ويتلعثم و يتردد أمام مأساة شعب فلسطين الذي يدفع دفعا إلى الحرب الأهلية، في حين يتحول العراق تدريجيا وبخطى ثابتة إلى ما سماه رئيس أركان الجيش الفرنسي الجنرال جون لويس جورجولان «بالماخور العجيب»!

أما حماية أوروبا من الهجرة السرية فلن تنجزها بعض خافرات السواحل، حتى لو اجتمعت قيادات الحرس الحدودي في الاتحاد المتوسطي شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لأن الحل الجذري إلى جانب الحراسة الحدودية هو إقامة الشراكة الاقتصادية الحقيقية بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، والتي ظلت حبرا على ورق برشلونة واتفاقيات خمسة زائد خمسة منذ عشرة أعوام.

وبالطبع فان عين ساركوزي كانت على الزيارة التي قام بها مساعد الرئيس بوش للأمن القومي السيد فرنسيس تاونسيند لإقليم المغرب العربي ليطلب إنشاء قاعدة أميركية فيه مستعملا فزاعة «القاعدة»، والرئيس الفرنسي يدرك بأن السباق بين أوروبا والولايات المتحدة أصبح شرسا، وأن الصين تحولت إلى الشريك التجاري رقم واحد مع بعض بلدان المنطقة.

وفي نفس الأسبوع كان الرئيسان بوش وبوتين يصطادان السمك في البحيرة العائلية لآل بوش بمنتجع كينيبونبورت، ويخططان لنشر درع الصواريخ المشترك بين الولايات المتحدة و روسيا بعيدا عن وجع الرأس الأوروبي، بل ولم تتردد نشرة (ستراتيجيك ألرت) الأميركية القريبة من مراكز صنع القرار في وصف القمة بأنها قمة تحديد النظام العالمي الجديد.

كل هذه الأحداث لا تتقاطع بالصدفة، إنما يجب أن نقرأها نحن العرب قراءة واقعية وعميقة، لأن ما يجري هو إعادة سيناريو سايكس بيكو بلاعبين جدد في لعبة ذات قواعد مختلفة لكن بنفس الضحايا!! فاعتبروا أيها العرب وقديما قال الأمام علي كرم الله وجهه: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار!

alqadidi@hotmail.com