لفت نظري تصريح جاء من السيد لوجار Lugar, رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، يطالب فيه الرئيس «بوش» بسحب القوات الأميركية من العراق في أسرع وقت، وحجته في ذلك أن الشعب الأميركي يعاني من الإعياء من حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، خاصة في العراق..
وأنا أعرف السناتور لوجار منذ أيامي في مجلس التعاون، كنا نزوره خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، وخلال فترة الغزو، وتجد فيه الصديق الدائم والمتفهم، ويحمل نفوذاً كبيراً في الحزب الجمهوري وفي مجلس الشيوخ، وتبدلت مواقفه لأنه رجل سياسي يملك حساسية هائلة في تشخيص المزاج للشعب الأميركي، وهو مثل السياسيين الآخرين حريص على الاحتفاظ بالانسجام مع التوجه الشعبي.
وأخطر ما يواجه الدول والمنظمات والهيئات هو مرض الإعياء، حيث تضيع القدرة على تحديد الأولويات وعلى البحث الموضوعي عن العلاج اللازم، وتضيع المصداقية والهيبة، وتحل الإحباطات مكان الانتصارات، والتشاؤم محل الحماس، والشك بدل النصيحة.
عشت في الأمم المتحدة وناقشنا فيها ما يطلق عليه في الأمم المتحدة U.N Fatigue, إعياء المنظمة من إحباطات بعض القضايا، وأبرز ما يسبب إعياءات الأمم المتحدة هو موضوع نزع السلاح وقضية فلسطين، وهما موضوعان تجترهما الأمم المتحدة اجتراراً بلا طعم وبلا حماس، خاصة في اللجان، بما في ذلك مجلس الأمن، الذي وظفته المجموعة العربية لأهداف سياسية محلية عربية وإقليمية دون نتائج..
كان المندوب الفلسطيني يجري إلى رئيس مجلس الأمن يحثه على مشاورات تعقد في اجتماع لأن الإسرائيليين اختطفوا أو اعتدوا أو اعترضوا، سواء في جنوب لبنان أو في غزة أو الضفة. وكان أصدقاؤنا الناضجون من عدم الانحياز، مثل الهند ويوغسلافيا كثيراً ما لاحظوا الملل والضجر من قضية فلسطين ومما يسمى U.N Palestinian Fatigue.
وقد شاهدت شخصياً هذا الإعياء في ممرات الأمم المتحدة، وخطورة هذا الإعياء قدرته على تصغير الكبير وتحجيم المهم، ولذلك حول قضية فلسطين بكل مآسيها إلى خطب مملة لا يتابعها أحد ولا يسأل عن حصيلتها أحد..
وتنطبق هذه الملاحظات على نزع السلاح Disarmament, وهو موضوع بدأ مع ولادة المنظمة ولا يزال فيها، كانت المشاركة فيه عند البداية من قبل فطاحل وعمالقة مختصين في نزع السلاح، وتلعب دول اسكندنافيا لاسيما السويد دوراً هاماً فيه.
لكن الإحباطات وتلونات السياسة وتباين المصالح أحالت الموضوع إلى كلام مكرر لا صلة له بالواقع. وضجرت الأمم المتحدة من هذا الموضوع، كما أصابها الملل من قضية فلسطين، وما جلبته من إعياء.
وإذا كانت الأمم المتحدة بكل صلابتها وتسامحها وصبرها، أصابها الإعياء، فما بالك بالوضع الكويتي والشعور العام تجاه ما يسمى خراب الثروة وهي الحالة التي تكون فيها الثروة والمال علاج كل الأمراض، ويكون العطاء المالي الوصفة الجاهزة للتعامل مع واقع الكويت، وربما واقع الخليج..
وهنا أود أن أبدي ملاحظات بسيطة حول الأذى الذي ينشأ حين تكون الثروة دواء لكل داء.
أولاً: أشعر في الدواوين ـ مثل غيري ـ بأن هناك ضجراً كبيراً وضيقاً من ترك المال يتصارع مع الحالة الكويتية، وأبرز أمراضها التطاول على القانون وسيادته وعلى خصوصيته، فلا احترام للضوابط ولا التزام بالنظام، فالصيحات ضد الاعتداءات على المال العام هي صرخات ضيق من العبث بالقانون.
وشكوى المواطنين من البطء ومن الجمود السائد وانعدام المبادرات وفقدان الحيوية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كل ذلك مرده إلى الانحياز نحو المصالحية ووضعها في الأولوية على حساب المصلحة العامة وعلى حساب المال العام. وحديث الدواوين في الكويت تفريغ للمشاعر وتعبير عن الضيق..
وقد يصل الإعياء الكويتي إلى فقدان الأمل وحتى الثقة بالمؤسسات بما في ذلك مجلس الأمة وعلاقاته بالحكومة، وتذبذب القرار وبطئه، كل هذه العناصر هي البيئة المعروفة التي تولد الإعياء في هيكل الدولة الكويتية، فمن ضمن مسببات الإعياء ضياع الأولويات في الأجندة الحكومية والبرلمانية، وصارت الاستجوابات نهجاً بدلا من أن تكون تساؤلاً، وصارت مفرخة لأزمات سياسية تشل الحكومة وتهدر وقتها وتلعب بأعصابها.
ثانياً: تحتاج الكويت إلى ضخ شيء من الصرامة والحزم لمقاومة الاسترخاء الذي هو حالة من السلبية المستسلمة لوضع جامد وروتيني وغير صحي يستند على المال في العلاج، وإذا كانت أميركا بالحيوية المتوارثة تعاني من إعياء الحروب، فليس من المستغرب أن يتسلل إلى جسم الدولة الكويتية إعياء من الجمود السياسي Status quo Fatigue.
تقضي الدولة ـ كل وقتها ـ في الرد على أسئلة النواب وعلى حماية الوزراء وعلى البحث عن وسيلة لتمرير القوانين وتحاشي الاستجوابات. ويكرر أهل الكويت مقولة التراجع في التنمية وفي الإدارة وفي المبادرات، ويضعون اللوم على العلاقات الملتهبة بين المجلس والحكومة، وفقدان الأخيرة الديناميكية والقيادية.
ثالثاً: تدخل الدولة في حالة الإرهاق إذا ما شاركت في مغامرة لا توجد مصلحة مباشرة معها، وهي الحالة التي تعاني منها كل من بريطانيا وأميركا في العراق، وتصاب الدول بالإعياء عندما يتواصل النزيف في مواردها البشرية والمالية والاجتماعية دون نهاية لذلك الاستنزاف.
وقد رأينا حالة الإعياء هذه مع مصر التي أكلت قضية فلسطين إمكاناتها، فكل حروبها لقضية لا تملك القرار فيها، وقد أصاب داء الإعياء دولاً عربية أخرى، وبسبب هذه الظاهرة أخذ المسار الفلسطيني منحى آخر.
ونشاهد في اللقاءات التلفزيونية مع شرائح المجتمع العراقي الإعياء من الوضع الراهن الذي لا يزرع الأمل في نفوس العراقيين، ونسمع صوت الضجر والضيق ضد كل التجمعات والأحزاب والميليشيات، ونعرف بأن العراق لا يستطيع أن يهدأ ولا يتحرك لأن مرض الوهن والإعياء تمكن من روحه وفعاليته.
وسؤال - يتكرر ـ هل هذا الشعور بالجمود والضجر حالة كويتية خاصة في الخليج أم أنها ظاهرة خليجية عامة تستند على المال كوسيلة للعلاج؟ لا أستطيع القول بأن الإعياء موجود في دبي ولا في عمان، وحتماً غير موجود في البحرين ولا في قطر، لأن الجمود في الكويت مسبباته كويتية محلية ليست خليجية، فالخلافات بين البرلمان والحكومة تؤثر كثيراً في مسار البلد،
والعلاقات بين الطرفين تتعرض دائماً للتموجات لأن البرلمان الكويتي معارض بشرعيته الدستورية، فالحكومة لا حزب لها ولا قاعدة ولا تملك ائتلافاً يعتمد عليه، والدعوة للانتخابات هي دعوة للمعارضة، وصحف الكويت وأقلامها كلها معارضة..
هذا الوضع سبب الشلل الذي استشرى، فضاعت هيبة القانون بعد أن تمكنت فاعلية الواسطة من تدمير القوة المعنوية له.وتبقى عطلة الصيف فرصة للمراجعة ولتشخيص مخاطر الإعياء من أجل القرار الحازم الذي يعيد للمجتمع الكويتي حيويته.
كاتب كويتي