ترى من الذي انتصر في الانتخابات التاريخية التركية.. الإسلامية على العلمانية.. أم الديمقراطية على الديكتاتورية؟!

إن ما بدا مثيرا في مهرجان الفرح الجماهيري الكبير الذي عم الشارع التركي ليلة 23 يوليو احتفالا بانتصار إرادة الغالبية العظمى للشعب التركي في اختيار حكامه للسنوات الخمس المقبلة بانتخابات حرة وشفافة ونزيهة وبإقبال غير مسبوق على المستوى التركي والعربي والإسلامي، لم يكن هو المشهد السياسي التاريخي التركي الجديد، بقدر ما كان هو المشهد الثقافي الإنساني التركي الجديد.

لقد بدا هذا المشهد الجديد مقروءاً بوضوح في الصورة التي نقلها التلفزيون التركي إلى العالم لزعيمي حزب العدالة والتنمية الفائز الأكبر بثقة الشعب التركي، «الدكتور» رجب أردوغان مع زوجته «المحجبة» وإلى جانبه «الدكتور» عبدالله جول مع زوجته «المحجبة» في شرفة مقر الحزب بالعاصمة التركية،

لتحية الجماهير التي علت رؤوس نسائها بـ «الإيشاربات» الزاهية وارتفعت أيادي رجالها بالأعلام التركية، وبقيت ساهرة بعد الغروب وحتى الشروق لتحتفل بالنصر شاكرة لله وهاتفة للوطن، ملوحة برايات المصباح المضيء رمز العدالة والتنمية تحت سماء تحول ليلها المظلم إلى نهار منير.

والإثارة في هذا المشهد المضيء لانتصار الثقافة الإسلامية للمرأة التركية بالديمقراطية يوم 23 يوليو عام 2007، يمكن أن تتضح بمقارنته بالمشهد المظلم الأكثر إثارة لانحسار الثقافة الإسلامية للمرأة التركية بالدكتاتورية يوم 2 مايو عام 1999.

حينما هاجت الغالبية العلمانية من أعضاء البرلمان التركي وماجت، سواء من «اليسار الديمقراطي» وريث حزب «الشعب الجمهوري» الأتاتوركي أو من «القومي الطوراني» المناهض للثقافة العربية بالمخالفة لقواعد الديمقراطية ودستور الجمهورية ومبادئ العلمانية،

لمنع نائبة حزب «الفضيلة» المنتخبة «مروة قاوقجي» من أداء اليمين بعد خلع الأحذية يضربون بها منصة مقاعدهم احتجاجا، هاتفين بالمطالبة بخلع «نائبة الفضيلة» للإيشارب أو طردها من البرلمان باعتباره خطرا ثقافيا وسياسيا على نظام الجمهورية التركية!!

ولأن الحكومة التركية المحروسة بأسلحة الجنرالات كانت حكومة علمانية جدا وديمقراطية جدا جدا، طلبت من المحكمة العليا تجريدها من المواطنة التركية بحجة قانونية لم تطبق إلا على «مروة» فقط وهى أنها أثناء دراستها الجامعية، بسبب منع المحجبات من الدراسة بالجامعات التركية أو حتى العمل في المصالح الحكومية (طبقا لقانون أتاتوركي)، كانت على قوائم المرشحين للحصول على الجنسية الأميركية!!

ولما فشلت الحكومة في ذلك، راح العلمانيون الديمقراطيون جدا جدا في حكومة «اليسار الديمقراطي» يلاحقونها قضائيا بتهمة التعاطف مع حركة حماس الفلسطينية لأن الحكومة الأميركية الديمقراطية جدا جدا والحليفة جدا جدا لتركيا في حلف «الناتو» تعتبر المقاومة الإسلامية للاحتلال الصهيوني لفلسطين إرهابا! ونسي هؤلاء الذين كانوا يحكمون تركيا قبل ولاية حزب العدالة والتنمية المتهم بحمل أجندة إسلامية عام 2002،

بعد أن ضاق بهم الشعب التركي الذي يتكون من 99% من المسلمين، وبعد أن اكتشف انقلابهم على العلمانية وعلى الديمقراطية بممارساتهم الديكتاتورية وتعصبهم المتشنج ضد الثقافة الإسلامية التي تشكل عقله ووجدانه، نسي هؤلاء أن الدستور التركي ينص في المادة 19 على «احترام حرية العقائد والحريات الشخصية» بيد أنهم لم يحترموا دستورهم!

من هنا وبعد قراءة عميقة في ما وراء المشهدين من معان ودلالات.. مشهد فبراير 1999 بالأمس، ومشهد يوليو2007 اليوم، يبدو واضحا الآن لماذا كان البعد الثقافي هو الأكثر إثارة في المشهد التركي الجديد بما أثر على السياسي، بتأكيد أن الثقافة ليست بالتخفي وراء اللافتات الغريبة لتغطية الانسلاخ عن الهوية الوطنية أو الدينية، ولا بفرض نظريات سياسية غربية لتبرير التبعية السياسية للغرب بديكتاتورية فجة لابد أن يرفضها الشعب.

في ترجمتها المباشرة بالسلوك وبالتعبير الأمين عن عقل وإحساس ووجدان الشعب، وبالاستلهام الواعي لقيمه الروحية وضميره الإنساني، وبالممارسة السياسية غير الزائفة للديمقراطية وهى التي تجعل الشعب فوق الرئاسة وفوق الجنرالات هو الحاكم وهو الحكم.. وفي انتخابات ديمقراطية أصدر الشعب التركي أحكامه.. وعلى كل من يهمه الأمر احترام أحكامه.

mamdoh77t@hotmail.com