أجمع العديد من الكتاب والمحللين السياسيين بمن فيهم الأميركان والعرب أن الحرب الأميركية ضد العراق في 2003 ومن ثم احتلاله هدفت إلى احتلال النفط العراقي بشكل مباشر من أجل السيطرة على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية.
آخرون من الكتاب والمحللين السياسيين يؤكدون أن الاحتلال الأميركي للعراق هدف إلى تدمير العراق وبنيته العسكرية والاقتصادية من أجل تطويعه بما يلائم السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي وتمرير المشاريع السلمية الأميركية -
الإسرائيلية وذلك بفرض تسوية سلمية على الدول العربية التي قد تضطر إلى قبولها كأمر واقع سيما وأن بعض الدول العربية المشاكسة للسياسة الأميركية قد تتعرض إلى تهديد عسكري أميركي - إسرائيلي لتطويعها.
إن كل ما ذكر أعلاه عن الأهداف الأميركية لا يمكن إنكاره أو رفضه لأن العراق وما يمتلكه من إمكانات نفطية هائلة ومن قدرات عسكرية واقتصادية وموقع جيواستراتيجي مهم يؤهله للقيام بدور كبير وحيوي لدعم الموقف العربي في الصراع العربي - الإسرائيلي.
كما أن العراق الغني بنفطه وموارده وموقعه الاستراتيجي ألهب الساسة الأميركان وأثار شهواتهم الطامحة والطامعة أبداً للسيطرة على منابع النفط الحيوية والمهمة استراتيجياً للمصالح الاقتصادية الأميركية .
لا سيما وأن النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية يهدف أكثر من أي شيء آخر إلى السيطرة على القدرات الاقتصادية الموجودة في دول العالم الجنوبي ، بالتالي فإن النفط وقضية فلسطين هما ركيزتان أساسيتان في الاستراتيجية الأميركية وعاملان ضاغطان لاستمرار احتلال العراق.
ولكن هل كان هذا كل ما سعى إليه الساسة الأميركان من خلال الحرب واحتلال العراق؟ أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟ الحقيقة أن السياسة الأميركية بعد حرب تحرير الكويت حققت هدفين استراتيجيين مهمين:
أولاً: انهار الاتحاد السوفييتي وسقط المعسكر الشرقي برمته من القاموسين السياسي والاستراتيجي الدوليين وتحول النظام العالمي الثنائي القطبية إلى نظام عالمي أحادي القطبية تتحكم بقيادته الولايات المتحدة الأميركية وتفرض رؤيتها وإستراتيجيتها.
وهذا كان واضحاً في العديد من الأمثلة ابتداء من مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن للسلام واتفاقات أوسلو وملحقاتها في منطقة الشرق الأوسط إلى فرض اتفاقات سلام في منطقة البلقان في ظل ترويض واضح للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وغيرها من الدول الأخرى في الشرق الأقصى.
ثانياً: بدأت السياسة الأميركية المرحلة الثانية بعد فوز اليمين الأميركي وتسلم جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة في فرض املاءاتها السياسية وهذا برز بشكل واضح وجلي بعد أحداث 11 سبتمبر التي هزت العالم بأسره.
وأصبح ملف الإرهاب هو الملف الذي من خلاله يتم تنفيذ الاستراتيجية الهادفة إلى تمكين الإدارة الأميركية من فرض سياستها الكونية دون معارضة حقيقية وفاعلة من قبل المجتمع الدولي، وقد مهد هذا الملف الأرضية الخصبة لإدارة الرئيس بوش والجناح اليميني في الولايات المتحدة لإثارة الملف العراقي من جديد لأهداف تكتيكية واستراتيجية مختلفة عما سبق خلال العقد الذي سبق أحداث 11 سبتمبر.
تكتيكياً، أعلن الرئيس بوش الابن وكبار المسؤولين الأميركيين أن نظام الرئيس صدام حسين يشكل خطراً على الأمن العالمي وعليه فإن تغيير هذا النظام أصبح ضرورياً خاصة وأن ملف نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية استعمل كذريعة لتغيير النظام العراقي واحتلال العراق.
والمثير للانتباه في ذلك الوقت أن المعايير المستخدمة لنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق سواء من خلال لجنة التفتيش الدولية أو القرار 1441 أبقت كل شيء عائماً بمعنى أنه كيف يمكن للعراق أن يثبت للعالم أنه لا يمتلك سلاح دمار شامل، وكيف يمكن للمفتشين أن يتحققوا من هذا الأمر ومن هو الحكم بهذا الخصوص، هل هي الأمم المتحدة أم الولايات المتحدة وبريطانيا؟
استراتيجياً، وهو الأهم، أن الإدارة الأميركية الحالية لم تعد تسعى حقيقة إلى نزع السلاح العراقي كهدف استراتيجي أو إلى تغيير النظام العراقي لأنها تريد نظاماً ديمقراطياً حراً كبديل له. إن الولايات المتحدة كانت تعلم يقيناً ماذا يملك النظام العراقي السابق من أسلحة وتعلم أيضا أن النظام العراقي لم يشكل أي خطر على الأمن القومي الأميركي والمصالح الأميركية أو حتى على الأمن الإقليمي.
ولكن استخدمت كل هذه الذرائع التكتيكية للوصول إلى الهدف الاستراتيجي خاصة بعد أحداث سبتمبر وهو بناء قواعد عسكرية - استراتيجية في العراق تعتمد عليها لعقود عديدة لضمان المصالح الأميركية الاستراتيجية في المنطقة، ومن ثم تبدأ صراعها مع الدول التي يحتمل أن تنافسها في قيادة النظام العالمي الجديد الذي لا يزال يمر بمرحلة انتقالية غير واضحة المعالم تسعى فيها الدول الكبرى لفرض وجودها على الساحة الدولية.
لقد توصلت الولايات المتحدة الأميركية بعد حرب تحرير الكويت عام 1992 وأحداث 11 سبتمبر عام 2001 إلى رؤية استراتيجية للمنطقة مفادها التالي:
1. لم تستطع دول مجلس التعاون الخليجي أن تمنع نظام صدام حسين من غزو الكويت وتهديد المصالح الحيوية للولايات المتحدة في منطقة الخليج والمتمثلة بالنفط والذي من شأنه أن يهدد مستقبلاً أمن إسرائيل حسب الرؤية الأميركية.
2. إن أحداث 11 سبتمبر جعلت الولايات المتحدة تتهم حلفاءها من دول مجلس التعاون بتصدير ما سمته بـ «الإرهابيين» وعليه تدهورت العلاقات الأميركية - الخليجية وخاصة مع المملكة العربية السعودية وأصبحت الأصوات داخل المؤسسات الأميركية السياسية والإعلامية في واشنطن تدعو علناً لمعاقبة هذه الدول.
3. إن جمهورية إيران الإسلامية هي مصدر للإرهاب وقد أدرجتها الإدارة الأميركية ضمن محور الشر وبالتالي أصبحت إيران خطراً حقيقياً ضد المصالح الأميركية.
هذه العناصر مجتمعة أصبحت تشكل حافزاً قوياً لصناع القرار الأميركي لتحويل العراق إلى ما كانت عليه إيران في عهد الشاه يكون قادراً على ضمان المصالح الأميركية ويقبل بتسوية سلمية مع إسرائيل ويدعم الجهود الأميركية المتواصلة لبناء استراتيجية كونية لمواجهة الدول التي تمتلك اقتصادات عملاقة وإمكانات تكنولوجية وعسكرية قادرة على المنافسة، كالصين والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.
وهذا لن يصبح ممكناً إلا بعد الاحتواء والسيطرة على منطقة الخليج بشكل كامل وفرض تسوية سياسية للصراع العربي - الإسرائيلي. لقد أدركت العديد من دول المنطقة وشعوبها أن الإدارة الأميركية أرادت أن تقودها إلى نفق مظلم أثناء المرحلة الانتقالية لتشكل نظاما عالميا جديدا لم تحدد معالمه النهائية حتى الآن .
وقاومت هذا المشروع الأميركي في المنطقة بوسائل مختلفة بشكل مباشر أو غير مباشر وعبر علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع إدارة الرئيس بوش التي فشلت حتى الآن في تحقيق أهدافها الاستراتيجية وليست التكتيكية فقط.
هذا الفشل ظهر جلياً في العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان بعد أن رفضت شعوب منطقة الشرق الأوسط الإذعان إلى القدر المحتوم الذي لو تحقق لصعب تغييره أو التعايش معه أو قبوله. إن إدارة الرئيس بوش مطالبة في الفترة المتبقية من حكمها في أن تعمل على تغيير سياستها الفاشلة في المنطقة وأن ترفض الرضوخ لبعض الأصوات في واشنطن المطالبة بمزيد من الحروب ضد دول أخرى في المنطقة لأن مصيرها سيكون مزيداً من الفشل السياسي والعسكري.
كاتب وباحث سياسي