هل آن لمسلسل العنف الدامي الذي يشهده العراق أن يتوقف حتى يسترد شعب الرافدين أمنه واستقراره المفقودين على مدى أكثر من أربع سنوات؟
لا يخلو يوم دون أن تراق دماء بريئة في مدينة عراقية، وكأنه قدر مكتوب على هذا الشعب العربي الشقيق أن تستنزف قواه وطاقته بأيادٍ خفية أو ظاهرة تعبث في مصير وطن له عراقته وحضارته الإنسانية الفريدة التي تعد من أهم معالمه التي يطمسها الآن العابثون.
أمس.. وكالعادة، كان يوماً دامياً حصيلته قرابة مئة قتيل وجريح في هجوم انتحاري بسيارة مفخخة أمام بوابة مستشفى بابل للولادة والأطفال وسط مدينة الحلة التي تبعد 100 كيلومتر جنوب العاصمة بغداد. تلقت مستشفيات الحلة في الصباح جثث 26 شخصاً و70 جريحاً، بينهم 22 شخصاً أصيبوا بحروق بليغة. هذا علاوة على أن الانفجار دمر 14 متجراً واشتعلت النيران في أكثر من عشر سيارات ولحقت أضرار مادية بالغة بالمستشفى.
تلك حصيلة أولية عن يوم واحد يعيشه شعب العراق. شعب يستيقظ على الانفجارات، ويعيش يومه محاصراً من شبح الموت الذي يطارد الصغير قبل الكبير.
تفجير الأمس، تزامن مع جولة المحادثات الثانية بين الولايات المتحدة وإيران في مقر الحكومة العراقية في بغداد والتي حملت شعار «تأمين الأمن الحقيقي في العراق». وكانت الجولة الأولى بينهما جرت في مايو الماضي. وأطلق المراقبون على تلك الجولة من الحوار اسم مرحلة «كسر الجليد» إلا أنها لم تسفر عن نتائج ملحوظة على أرض الواقع، رغم أن واشنطن بنفسها وصفتها بأنها كانت ايجابية.
إن الهدف من الجولة الثانية، كما قال الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو، هو «الجلوس والتعبير عن المخاوف ولنرى ما إذا كانت هناك طريقة للتقدم باتجاه تأمين أمن حقيقي للعراقيين». والآمال معقودة على أن تحقق المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية المزيد من النتائج المثمرة.
وقد حث رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي واشنطن وطهران أمس على العمل على توفير الدعم لاستقرار العراق وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. وعلى الجانبين ـ كما تطالب الحكومة العراقية ـ أن يتفهما بجدية الوضع العراقي والعمل على تقديم العون لشعب الرافدين من خلال خلق مناخ إقليمي جديد يقوم على أساس التعاون والايجابية في مواجهة الإرهاب الذي يهدد الجميع. الحوار - على حد تعبير المالكي ـ هو السبيل الأفضل للتعاون.
ويمكن القول ـ وهو ما تراه أيضاً الحكومة العراقية - إن تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران يؤدي إلى ما يفيد العراقيين، والعكس صحيح. وكان الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ صادقاً عندما قال «لا نريد أن ندفع ثمن خصومة.. لا نريد أن يكون العراق ساحة لتصفية خصومات بين الفرقاء لكننا نريد أن يكون العراق نقطة تفاهم مع دول المنطقة».
إن الشعب العراقي يعيش ذروة مأساته في ظل الانفلات الأمني المخيف الذي يحصد أرواح العشرات من الأبرياء. وبدون أن تتكاتف جهود الآخرين الذين لهم صلة بما يجري على الأرض العراقية، فسيظل مسلسل العنف الدامي يقتلع من أرض الرافدين الأخضر واليابس. بالحوار والتفاوض واحترام إرادة شعب محروم من أمنه واستقراره، يمكن أن يخرج العراق من محنته التي تنعكس آثارها على الجميع.
