أخيراً صار للجنة الرباعية الدولية مبعوث للسلام بمرتبة رئيس وزراء سابق، سبقته سمعته وشهرته كرجل حرب من الطراز الأول، وصاحب أفضل الارقام القياسية في الرياء والتضليل، ولا نريد أن نقول الكذب.

ها هو طوني بلير في المنطقة بابتسامته العريضة وأناقته المدروسة، يبحث عن سلام مفقود، أو هكذا يدّعون. ‏

أرادوا له ان يظل تحت الأضواء، ليذكرنا بامبراطورية كانت لا تغيب عنها الشمس، أرادوا منحه جائزة نهاية الخدمة لدى السيد الأميركي، فكانت وظيفته جاهزة: مبعوثاً للسلام بجواز سفر يحمل خاتم «الرباعية». ‏

حفيدُ أرثر جيمس بلفور، صاحب الوعد الأشهر في التاريخ، وصاحب الكارثة الكبرى التي ألمت بالعرب أجمعين، يأتينا لا لإصلاح الخطأ الفادح الذي ارتكبه جده، بل لرعاية النبتة السامة التي زرعها ذلك الجد نيابة عن «حكومة صاحبة الجلالة» التي نظرت «بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»! ‏

بلفور نفسه، وفي «وعده» يعترف بأن هناك دولة قائمة اسمها فلسطين، وبأن بريطانيا العظمى ستقيم فوق هذه الدولة، أو على أنقاضها «وطناً قومياً لليهود» القادمين من شتى أرجاء الارض، ليصبح من حق أي أميركي أو روسي أو ألماني أو فرنسي أو من أي جنسية كانت، الإقامة في فلسطين.

أما سكان فلسطين وأهلها الممتدة جذورهم آلاف السنوات، فيجب ان يقتلوا أو أن يهجّروا أو أن تدفع لهم تعويضات ويتم توطينهم في أي مكان، ولو في المريخ. ‏

فهل سيكون الحفيد أفضل من الجَدّ؟ وهل نصدق أن توفد «الرباعية» من تحتل جيوشه، وجيوش معلمه فيما وراء البحار، أرض العراق، وتمارس أبشع أنواع الارهاب وانتهاك حقوق الانسان؟ هل نصدق ان توفد « الرباعية» هذا الشخص ليكون رسول سلام؟ ‏

لا ماضي بلير ولا تاريخه يسمحان له ان يكون مبعوث سلام، ولا حاضره يؤهله ليلعب دور الوسيط، اللهم إلاّ بتوصية عليا من السيد بوش ومحافظيه الجدد.

فالمستر بلير خير من ينفّذ الأوامر الأميركية والرغبات الإسرائيلية، وأفضل ناطق رسمي باسم الكذب. ‏

وكي لا يفهم كلامنا على أننا ضد الوساطات الأوروبية والدولية، نشير فقط إلى أننا كعرب، لا نعترض على الوساطات، فنحن طلاب سلام عادل وشامل ومع أي وساطة محايدة ونزيهة غرضها الوصول الى هذا الهدف، لكننا ببساطة وبكل وضوح لا نثق بالمستر بلير ولا بمن عيّنه في هذا المنصب الرفيع كمكافأة له على إطاعته كل الأوامر والتعليمات الصادرة إليه من أصغر موظف في البيت الأبيض عندما كان رئيساً لوزراء بريطانيا العظمى. ‏

لا نثق به لأسباب عدة، فهو أولاً ليس محايداً، بدءاً من اطلاق وعد بلفور واحتلال العراق وفلسطين في مطلع القرن العشرين الماضي، وصولاً الى احتلال العراق في مطلع القرن الحادي والعشرين الحالي. ‏

وهو ليس محايداً عندما يسهم إسهاماً مباشراً في حصار وتجويع الشعب الفلسطيني، وعندما يؤيد بلا تحفظ، الإجرام الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ويكرر مقولة سيده الأميركي: ما تقوم به إسرائيل من قتل واغتيال وتدمير واستخدام أحدث أنواع الأسلحة الهجومية وأكثرها فتكاً ضد المدنيين، بمن فيهم الاطفال وحتى الأجنّة في أرحام امهاتهم هو دفاع مشروع عن النفس. ‏

وهو غير حيادي عندما يمرر عبر مطارات بلاده، الأسلحة الفتاكة لإسرائيل خلال عدوان الصيف الماضي، لتدك لبنان حجراً على حجر، وتقتل الأبرياء وتغتال الطفولة وحتى الأحلام. ‏

المستر بلير ليس حيادياً ولا نزيهاً ولا عادلاً، وهو يحمل تاريخاً أسود على كاهله، وحاضراً أكثر اسوداداً، ويقولون لك: مبعوث سلام. ‏

أي سلام يمكن أن ننتظر ونتوقع من شخص يمتلك كل هذه «المواصفات» المتعارضة بالمطلق، مع كلمة السلام ومفهومه وأسسه؟ ‏

لا نظن أن بلير صاحب قرار الحرب على العراق مع معلمه بوش، يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها، الى رسول سلام! ‏

ولا نظن أنه قادر على أن يكون صادقاً ، وهو صاحب الكذبة الكبرى التي قال فيها: إن النظام العراقي السابق يمتلك الأسلحة النووية، وقادر على تشغيلها خلال خمس وأربعين دقيقة فقط لا غير. ‏

أخيراً لا نظن أن منصبه الجديد مبعوثاً للرباعية، سيجعله ينسى أنه موظف صغير لدى الإدارة الأميركية، ملتزم كجندي منضبط، أمام جنرال، بما تمليه عليه هذه الإدارة صاحبة الفضل في قرار تعيينه! ‏

حقاً لقد هزلت، فها هو الذئب يصبح راعياً لقطيع الغنم، ويتحول قاتل أطفال العراق ولبنان وفلسطين إلى رسول سلام. و.. يا أيها السلام كم من الكوارث والمصائب والجرائم تُرتكب باسمك!! ‏