بعد عقود من التأرجح بين الصدام المسلح حيناً والحلول المؤجلة أحياناً أخرى، يبدو أن مشكلة الصحراء الغربية بدأت تتجه، وان ببطء وتعثر، نحو أفق جديد لحل توافقي بين الأطراف المعنية.

فرغم عدم الخروج بنتائج ملموسة إثر المحادثات التي جرت مؤخرا في الولايات المتحدة بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، برعاية الأمم المتحدة وبحضور مراقبين من الجزائر وموريتانيا، إلا أنها ساهمت إلى حد كبير في كسر الجمود الطويل الذي اعترى التعاطي مع هذه المشكلة المزمنة.

كما تم الاتفاق على استئناف هذه المحادثات في أغسطس المقبل، على أمل التوصل إلى آلية أكثر نضجا وجدية للدخول في عمق القضية والتقريب بين المواقف ووجهات النظر التي ما زالت تفصل بينها عقبات كثيرة.

وقد شكل المقترح المغربي للحل عبر حكم ذاتي موسع للإقليم، الأرضية الأكثر واقعية للوصول إلى اتفاق يمكن تقبله من الجميع، إذا خلصت النوايا وتم تغليب المصالح المشتركة بعيدة المدى للأطراف المباشرة وللمنطقة المغاربية بشكل عام.

وهناك عدة مؤشرات على بوادر تحول ايجابي في المواقف، من أبرزها تأكيد العاهل المغربي محمد السادس على أن السلام والاستقرار في الجزائر (جزء لا يتجزأ من أمن المغرب)، مبديا استعداده لزيادة التعاون مع الجزائر في مكافحة الإرهاب، كما جاء في الرسالة التي وجهها في الثالث عشر من يوليو الحالي إلى الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، عقب الهجوم الإجرامي الذي أدى إلى مقتل عشرة جنود في إحدى القواعد العسكرية الجزائرية.

وقد أعرب العديد من المسؤولين في البلدين، بمن فيهم وزير الداخلية الجزائري، عن اهتمامهم بالتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين منعطفا مهما في العلاقات بين البلدين.

ومن المؤكد أن أي تقارب وتعزيز للعلاقات بين المغرب والجزائر، سينعكس إيجابا على تقريب المواقف بشأن الصحراء ويعزز الآمال بتهيئة الأجواء لإيجاد مسار سلمي لإنهاء النزاع الذي طال أمده في هذه المنطقة من الوطن العربي، وأنهك شعوبها وكلفها الكثير من الجهد والوقت الضائع، وأعاق كل مشاريع التكامل والوحدة بين دولها.

ومما يعزز هذه الآمال أن المواقف الدولية باتت أكثر تفهما لضرورة إيجاد حل توافقي لمسألة الصحراء، خاصة في ظل الاهتمام الأميركي بتعزيز العلاقات الأمنية والاستراتيجية مع الدول المغاربية عامة، ومع الدولتين الرئيسيتين في المنطقة، المغرب والجزائر، بشكل خاص.

إضافة إلى التوجه الفرنسي لخلق (فضاء متوسطي)، أمني وسياسي واقتصادي، يبدو أن الرئيس الجديد ساركوزي يضعه ضمن أولوياته في هذه المرحلة، بغض النظر عن الدوافع والأهداف التي تدعوه إلى ذلك!

وقد ظهر الاهتمام الأميركي المتزايد بقضية الصحراء، من خلال إعلان واشنطن (12/7/2007) عن تأييدها للمشروع المغربي المتعلق بمنح الإقليم حكما ذاتيا موسعا، كما أثنت على (جهود المغرب الجادة لدفع المفاوضات حول الصحراء تجاه الحل). وقد عبرت كل من اسبانيا (المستعمر السابق للصحراء) وبريطانيا وفرنسا عن مواقف مشابهة إلى حد كبير.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك تأكيد الرئيس بو تفليقة، في يونيو الماضي، أن مشكل الصحراء الغربية (يقف حجر عثرة أمام تشييد المغرب العربي الكبير الذي يتوقف عليه مستقبل المنطقة بأسرها)، فان المعطيات الراهنة تشير بشكل ملموس إلى أن هناك أفقا جديدا للتعاطي مع هذه القضية ورغبة في الوصول إلى نهاية لها، تراعي مصالح الجميع ومواقفهم، وتستجيب للتحديات الجسيمة والمتعاظمة التي تواجه المنطقة بأسرها، وتستهدف قطبيها الرئيسين بشكل خاص.

ولا شك أن الرئيس بو تفليقة هو الأكثر قدرة وتأهيلا للدفع في اتجاه حل العقدة الصحراوية وتحقيق الأمل المنشود، بحكم ما يتمتع به من خبرة وحنكة سياسية وتأثير إقليمي ودولي.

وقد يكون المؤتمر الثاني عشر لجبهة البوليساريو المقرر في ديسمبر المقبل، مناسبة جيدة لإظهار موقف أكثر مرونة وتجاوبا مع المساعي الإقليمية والدولية لإنهاء الصراع، بما يخدم مصالح الصحراويين ويستجيب لتطلعات أشقائهم في المنطقة لتحقيق الأمن والاستقرار، والقدرة على مواجهة التحديات وتخطي العقبات من أجل مغرب عربي، تتحد فيه الجهود وتتكامل الإمكانيات.

فهل تحرك قطار السلام وأوشكت العقدة الصحراوية على الحل؟ قد يكون الوقت مبكرا لتأكيد ذلك، لكن الأمل كبير ويبدو أنه يتعزز أكثر فأكثر.