هل صحيح أن قرار جمال عبد الناصر بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس المصرية كان واحدا من أكثر قراراته تهورا وتسرعا وسوء تقدير بحيث كان مغامرة غير محسوبة جرت على مصر العدوان الثلاثي الذي خلف من الدمار والشهداء والأخطار ما كانت في غنى عنه سواء بحساب الأحرار من المؤرخين أو حتى بحساب الشطار من البقالين ؟
ولأنه لا يمكن تقييم سلامة أى قرار وطني إلا بتقدير موقف متعدد الجوانب لما قبل القرار، وباختبار أكثر من خيار متعدد البدائل لهذا القرار، ثم في النهاية بتقدير عواقب متعدد الاحتمالات لما بعد القرار، مثلما لا يمكن دراسة الجدوى لأي قرار سياسي إلا برصد ما يدفع إليه من مقدمات و ما يمكن أن يؤدى إليه من نتائج.. فماذا كان الموقف قبل القرار ؟
بعد نجاح الثورة، بإرادتها الحرة في المفاوضات وبعمليات الفدائيين ضد المعسكرات الإنجليزية في حمل بريطانيا على الجلاء عن قاعدة قناة السويس التي كانت تشكل قيدا ومصدر ضغط على القرار الوطني المصري بعد عامين فقط من قيام الثورة شعرت إسرائيل بالقلق، فبادرت بالعدوان على غزة عام 1955 وقتلت عشرات من جنود الجيش المصري الضعيف التسليح..
وحاولت مصر الحصول على السلاح من الغرب لتقوية قدرتها على الدفاع ضد الاعتداءات الإسرائيلية لكن الغرب رفض لإبقائها تحت ضغط القاعدة العسكرية الإسرائيلية للغرب في المنطقة.
ونجحت مصر في كسر احتكار الغرب للسلاح بصفقة الأسلحة الروسية عام 55، وشكل ذلك قلقا وغضبا لا حدود له في تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس، وبدأت أميركا التحول من خطة الإغراءات لاحتواء الثورة المسماة بالخطة «ألفا» إلى خطة الحصار والخنق والضرب المسماة بالخطة «أوميجا» بالتعاون مع حلفائها الصهاينة والإنجليز والفرنسيين.
بموجب هذه الخطط التي كشف عنها بالوثائق الكاتب الصحافي المصري الكبير «محمد حسنين هيكل» في إطلالته الأسبوعية على « قناة الجزيرة» كان القرار واضحا كل لحساباته الخاصة في هذه المنطقة بضرورة القيام بعمليات سياسية وعسكرية ضد مصر لتدمير ما حصلت عليه من سلاح روسي في أسرع وقت، وإعادة مصر إلى مناطق النفوذ، ولإسقاط الفارس الجامح « عبد الناصر» من فوق حصانه بعد أن جرؤ على رفض إملاءاتهم.
بادرت واشنطن إلى سحب عرض تمويل مشروع السد العالي الذي كان عبد الناصر يعلق عليه آمالا كبرى لتنمية وتصنيع مصر، تصورا بأن هذا القرار كفيل بإحباط الشعب المصري وخضوع النظام الثوري في مصر لإملاءات الغرب.
ولم يجد عبد الناصر بديلا أمامه سوى الرد على الهجمة الاستعمارية التي لا تريد لمصر حماية دفاعية ولا تنمية اقتصادية إلا بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس في احتفالات الإسكندرية بالعيد الرابع للثورة في السادس والعشرين من يوليو عام 56 حفاظا على الكرامة الوطنية و لتمويل المشروع الذي كان حلما للشعب المصري واختبارا لإرادته في القدرة على البناء و مواجهة التحدي.
وجاء العدوان الثلاثي الغاشم المقرر أصلا قبل قرار التأميم، في محاولة لانتزاع القناة ومنع بناء السد العالي وإعادة احتلال مصر، ولكن التف الشعب حول قيادته، والتف الشعب العربي حول الشعب المصري و فشل العدوان وانسحب المعتدون وبقى العلم المصري يرفرف بزهو فوق قبة هيئة قناة السويس المصرية، واستطاعت مصر بناء مشروع السد العالي رغم إرادة وطائرات وبوارج المعتدين.
سقط « إيدن» في بريطانيا « وجي مولييه» في فرنسا وقويت حركة التحرير العربية في مواجهة الاستعمار واضطرت بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج العربي طبقا «لاستراتيجية شرقي السويس»، واضطرت فرنسا للاستعداد للرحيل من الجزائر بعد الفشل الثلاثي..
وخرجت مصر مرفوعة الرأس قوية الإرادة لتحتل مكانها العالي وتأثيرها التحرري على الخريطة العالمية ساعية إلى بناء تنميتها بإرادة حرة، وخرج عبد الناصر من هذه المعركة بقراره الذي هز العالم رمزا عالميا ملهما للأحرار في الوطن العربي وفى العالم الثالث بعد أن أصبحت معركة السويس فاصلا بين عصرين، ما قبل السويس وما بعد السويس.