عندما يتقابل خبراء الاقتصاد لتجاذب أطراف الحديث، فإنهم بشكل أوتوماتيكي يتحاورون حول التقويمات التي سيمنحونها لدول ومناطق العالم المختلفة. إن الأمر بمثابة لعبة تنطوي على قدر كبير ومحير من التخمينات.

خلال العقود الأولى التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، سارت ألمانيا واليابان وفرنسا وحتى إيطاليا بشكل جيد. ومن ثم فإن تلك الدول نالت تقويم إيه أو إيه +. وبعد عام 1960 حدث أن ظهرت بشكل متزايد أطراف منتصرة جديدة على الساحة الاقتصادية. ففي حوض المحيط الهادئ وفي أعقاب الطفرة التي حققتها اليابان، ظهرت تايوان وسنغافورة وهونج كونج وكوريا الجنوبية كتجارب اقتصادية ناجحة.

في منطقة دول الاتحاد الأوروبي، تبين في تلك الفترة أن الدول الرئيسية في المنطقة مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بدأت تفقد الزخم الذي أتاحته في تلك الفترة خطة مارشال الأميركية الناجحة. وبشكل تدريجي بدأت إسبانيا وفنلندا والنرويج ومعها كل من هولندا وبلجيكا، في الظهور على السطح بشكل ملحوظ.

إذن ما هي الدول التي كانت غائبة عن ركب التقدم؟

الإجابة للأسف وبشكل محزن، هي عدد كبير من بلدان القارة الأفريقية التي كانت قد نالت لتوها الاستقلال ولكنها غرقت في هوة أنظمة شمولية. وللأسف أيضا فإن منطقة الشرق الأوسط، باستثناء الدول التي حظيت بنعمة النفط، عانت من موقف اقتصادي وسياسي يُرثى له.

وبشكل يتناقض مع الوضع الحالي الذي يتسم بمعدلات نمو إيجابية في كل من الصين والهند، فإن أوضاع شعبي هاتين الدولتين، اللتين كان تعدادهما وقتها يصل إلى قرابة المليار نسمة، كانت تسير بشكل سيئ في الفترة من 1950 إلى 1970 في الوقت الذي كان جيرانهما يحققون معدلات نمو سريعة للغاية.

لا يوجد لغز وراء حالة البؤس والركود التي كانت تسيطر على الصين، فالنظام الشيوعي الذي كان يقوده ماو تسبب في فشل ذريع للبلاد.

غير أننا الآن نعرف ما كان يستحيل فهمه حينذاك: لقد كان الشعب الصيني يمتلك قدرات نمو هائلة كان يمكن استغلالها. فالنجاح الذي كان يحققه التجار الصينيون خارج الأراضي الصينية في أماكن مثل ماليزيا واندونيسيا، كان يلمح إلى أن الفترة التي ستعقب موت ماو يمكن أن تتسم بنجاح كبير، وهو الأمر الذي حدث بالفعل.

غير أن التجربة الهندية تنطوي على بعض الاختلافات الأساسية. لقد أتت الإمبراطورية الإنجليزية بقدر كبير من التعليم إلى شبه الجزيرة الهندية. وبعد نيل الاستقلال من بريطانيا في 1947، جاء القائد الأرستقراطي العظيم نهرو ليتولى مقاليد البلاد وفضل استقطاب مستشارين اقتصاديين غربيين ذوي تاريخ طويل مع الجمعية الفابية، وهي جمعية انجليزية سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ الاشتراكية بالوسائل السلمية، ومن ثم تأخر نهوض الهند بالمقارنة بالصين. ولكن أن تتأخر أفضل بكثير من ألا تنهض من نومك على الإطلاق.

إن التاريخ الاقتصادي للعالم لا ينطوي على دروس سهلة. ولكن وزن وثقل تجارب الماضي تشير بقوة إلى أن أي منظمة بيروقراطية تعتمد على حزب واحد تؤدي بشكل سييء ولا توفر لشعبها مستوى معيشة جيداً في أي مكان بالعالم.

ولكن فلنحذر. لا يجب أن نأتي بأحكام تتسم بالتطرف في مضمونها. لا يوجد من يعلم أكثر من الخبراء الاقتصاديين في القرن الواحد والعشرين أن آليات السوق التي تقوم على سياسة عدم التدخل الحكومي، يمكن في حال كونها غير منضبطة أن تتسبب في حالات من عدم التكافؤ الكبير في الدخول، وفي دورات عمل تتسم بالازدهار الشديد ثم السقوط المفاجئ.

قبل انهيار وول ستريت في 1929، كانت السياسات الرأسمالية منتشرة بشكل كبير، ليس في أميركا فحسب وإنما أيضا في جميع دول الغرب المتقدمة.وفي تلك الآونة، وقبل عصر البنسيلين والتقنيات الطبية المعقدة والمتطورة، كان الأطباء مقيدين بشدة، لا يملكون حلولا متعددة لعلاج الأمراض وتحسين جودة حياة المرضى.

لقد مر علم الاقتصاد بمشكلة مشابهة. فلم يكن الخبراء وقتها يعلمون كيف يتعاملون مع أمواج التذبذب الاقتصادي العاتية. وهذا هو السبب في أن علم الاقتصاد التصق به وصف «العلم المقيت».

أنا على المستوى الشخصي على علم بكل هذه الأمور. المراجع الاقتصادية التي قمنا بقراءتها في جامعاتنا الكبرى لم تتحدث بشكل كاف عن الكساد العظيم عندما ساء حال العالم بعد 1929. لقد كانت الأوضاع مشابهة في كل من هارفارد وشيكاجو تجاه ذلك الأمر عندما كنت أدرس بهما، وتأخرت الجامعتان المرموقتان في التعرف على الحقائق الجديدة الحقيقية للحياة.

هكذا كان الوضع وقتها. أما الآن فالوضع مختلف. ربما تخطو فرنسا خطوات سريعة في السنوات القليلة المقبلة على يد رئيسها نيكولاي ساركوزي. ووقتها سيقول المتعصبون من الوطنيين الأميركيين إن: «نجاح فرنسا الجديد يأتي من تقليدها النموذج الأميركي».

وهذا تفسير خاطئ. صحيح أن دورات الإنتاج الأميركية قد تباطأت بشكل كبير. ولكن الأمر ينطبق على العالم كله. وأنا من جهتي أفضل القول إن أي نجاح ستحققه فرنسا في المستقبل سيكون السبب فيه هو أنهم بدأوا عمل بعض الأشياء التي تقوم بها كل من أيرلندا وفنلندا من فترة طويلة.

ما هي هذه الأشياء؟ إلى جانب أشياء أخرى فإن الأنشطة الماضية التي كانت تقوم بها النقابات الأميركية مع أكبر 500 شركة أميركية قد تلاشت. ما السبب وراء ذلك؟ قد يقول أحدهم إن النقابات الكبرى انتحرت في ظل بيئة العولمة الجديدة لأن كل نصر نقابي في الماضي كان في الحقيقة ينذر بهزيمة، الأمر الذي إلى أدى إلى سرعة خروج أنشطة تصنيع السيارات والكمبيوتر وعدد كبير من الأنشطة الأخرى عن الساحة.

أنا هنا لا أوجّه موعظة إلى الناس في الخارج. لقد أثرت سياسة بوش ـ تشيني في الوضع الجيوسياسي في العراق، وكذلك كان لها أكبر الأثر في تشجيع سوء إدارة الشركات. ولهذا السبب فإن الحزب الديمقراطي في أغلب الظن سيكتسح انتخابات نوفمبر 2008.

وبحسب السيناريو الحالي، فإن غير الوسطيين من الحزب الديمقراطي يمكنهم الحصول على فوائد كبيرة من الوضع الجاري. ويأمل واضعو الإستراتيجيات للجمهوريين أن يصعد نجم هؤلاء غير الوسطيين من الديمقراطيين. ففي ضوء أن القاعدة الانتخابية الأميركية لم تتحول بعد إلى اليسار بشكل كبير، فإن أفضل أمل باق للميكيافليين من الجمهوريين هو أن يدعو مرشحو الرئاسة من الديمقراطيين في انتخابات 2008 إلى سياسات الحمائية والرهاب من السوق.

هناك حقيقتان تضفيان طابعا دراماتيكيا على الموقف:

1 ـ إن تعديل الخصم الضريبي الذي جاء به بوش لمصلحة الأثرياء لن يؤثر في النزعة الطبيعية الأميركية نحو الإبداع التي حدثنا عنها عالم الاقتصاد جوزيف شومبيتر. ويعد هذا سببا وجيها كي نقدم على هذا التعديل الضريبي.

2 ـ على الرغم من ذلك وفي أفضل الظروف فإن معظم حالات عدم التكافؤ الناتجة عن ظاهرة العولمة والتجارة الحرة لا يمكن أن تتحقق في حال وجود أساليب عملية نابعة عن حكومة جيدة.

إن التحسينات التي يتبناها مؤيدو الوسط المعتدل مهمة ولكن أثرها متواضع، غير أن أي اقتراحات جذرية سواء من اليسار أو اليمين ستُثبت فشلها مرة أخرى على المدى البعيد.

خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لـ «البيان»