تتندر، هذه الأيام، شخصية لبنانية تقاعدت بعد أن بلغت أرذل العمر كما يقول صاحبها، بالأوضاع السياسية في لبنان، وتقول مستعيدة الذكريات: لو أن الوحي نزل في العام 1975 على القيادات السياسية اللبنانية والفلسطينية التي أصبحت اليوم في دنيا الحق: كمال جنبلاط، صائب سلام، بيار الجميل، كميل شمعون، سليمان فرنجية،.

وياسر عرفات، فاجتمعوا وأجمعوا على أن ما يستدرجون إليه كلبنانيين وكمقاومة فلسطينية ما هو إلا مؤامرة مدمرة تطالهم جميعا، وعملوا على وضع خطة مضادة تعزز الحوار والتماسك فيما بينهم، لكانوا نجحوا في تجنيب الشعبين اللبناني والفلسطيني كل الاستحقاقات والتجارب المؤلمة التي مرا وما زالا يمران بها منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، ولربما كان هذا الوعي الوطني غير مجرى التاريخ الذي ما زالت المنطقة تعيش تفاصيله؟.

نسأل محدثنا، وهو أسير منزله وطريح فراشه بفعل السن والمرض، عبر الهاتف طبعا، عن سبب استغراقه في ذكريات مؤلمة، فيجيب: إنه السلاح والتفريط بالأمن الوطني عند كل شاردة وواردة، والحوار بأدوات الدمار والقتل، ولا أقصد هنا ما يأتي من الخارج على شكل كواتم للصوت أو سيارات مفخخة أيا كان نوعها ومصدرها.

بل أعني السلاح الذي يستسهل القادة نشره بين أيدي الناس، أما آن للبنانيين أن يتعلموا من دروس الماضي وتجاربه المرة؟ وأما آن للسياسيين أن يتعلموا سبل الارتقاء بمستوى أنصارهم والناس والشارع عموما، إلى سبل التنافس والحوار بسلاح الإنجاز الوطني والحضاري، وليس بالأسلحة المدمرة والقاتلة؟.

آلام هذه الشخصية التي أحالها العمر على التقاعد، ومثلها آلام من يطلق عليهم مصطلح الأكثرية الصامتة، تضعنا وجها لوجه أمام تقارير أمنية شبه رسمية أمكننا الحصول عليها من أروقة وزارة الداخلية اللبنانية، تفيد بالوقائع الآتية:

أولا - استدعاء بعض القيادات السياسية اللبنانية لمسؤولي الميليشيات العسكرية التابعة لها وإعطاؤهم تعليمات بإعادة وضع هيكليات جديدة للتسلح والتحرك واتخاذ وضع الجهوزية في حال فلتان الأوضاع وخروجها عن السيطرة.

وكذلك اللجوء إلى تنظيم دورات عسكرية لمحازبيهم وأنصارهم في المناطق الجبلية النائية لتدريبهم على حمل السلاح، وهذا الأمر لا يستثني أحدا من القوى المتنازعة وحلفائها. وتقول التقارير أيضا أنه ليس سرا أن حزب الله وحركة أمل قد أوفدا بعد حرب يوليو 2006 مئات الشباب الذين تمت تعبئتهم عن طريق مسؤولي المناطق والأحياء، إلى إيران وسوريا للتدريب العسكري استعدادا لاحتمالات تجدد المواجهة مع إسرائيل.

ثانيا ـ الإقبال الكبير على رخص السلاح التي تمنحها وزارة الدفاع الوطني، مما حمل وزير الدفاع اللبناني على وضع شروط وضوابط جديدة لمنح التراخيص، واتخاذ قرار بوقف مفاعيل بعض أنواع التراخيص العادية المعروفة بالبطاقات الصفراء، مستثنيا مرافقي النواب والوزراء والدبلوماسيين ورجالات الدولة والسياسيين.

ثالثا - انتشار شركات الأمن الخاصة وتضاعف عددها بعد أن كان لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، حتى بات من المألوف مشاهدة عناصر مسلحة ترتدي أزياء موحدة تحمل شعار شركات الأمن الخاص تقوم بمهمات الحراسة أمام بعض المراكز والمؤسسات الخاصة والمنازل، في العديد من أحياء العاصمة بيروت وكذلك غيرها من المدن الرئيسية وبعض القرى والبلدات، وتفيد المعلومات أن عددا من الجهات السياسية قد لجأ إلى هذه الوسيلة ليغطي تواجد عناصره المسلحة في الشارع.

رابعا ـ ازدهار تجارة الأسلحة وتهافت الشباب بشكل لافت على شراء الأسلحة الفردية، وتقول التقارير إن أسعار هذه الأسلحة قد ارتفعت بنسب عالية، وأن مسدسا من عيار 9 مليمتر أصبح يباع في السوق اللبنانية السوداء بما يتراوح بين ألف وألفين وخمسمئة دولار حسب نوعه وجودته، فيما ارتفع سعر رشاش الكلاشينكوف من مئة دولار إلى ثمانمئة دولار، وكذلك ارتفعت أسعار الذخائر بشكل مواز، وسط معلومات تتحدث عن نشاط كبير لتجار السلاح وتهريب كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخائر عبر الحدود.

خامسا ـ انسحاب المواطنين من شوارع العاصمة بيروت مع حلول المساء بشكل مبكر خوفا وتحسبا، لتخلو المناطق أمام الشباب المسلحين والمزودين بأجهزة لاسلكية، والذين ينتشرون للحراسة كل ضمن منطقته، وتنظيم دوريات بواسطة السيارات والدراجات النارية. وتفيد التقارير الأمنية أنه لا تكاد تمر ليلة من دون حصول احتكاك أو إشكالات بين هؤلاء الشباب على اختلاف انتماءاتهم والتجاور والتداخل بين مناطقهم، وأن هذه الإشكالات يرتفع منسوبها أو ينخفض وفقا لنسبة التوتر أو الانفراج الذي تشهده الساحة السياسية.

وتشير التقارير الأمنية إلى أن الوضع الأمني في لبنان يعتبر هشا، على الرغم من انتشار دوريات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وحواجزها في الشوارع الرئيسية والمفاصل الحساسة بين المناطق، وتصف التقارير الوضع بالظاهرة التي لم يشهد لبنان مثلها سوى عشية اندلاع الحرب الأهلية في العام 1974.

وتأتي هذه التقارير وسط أجواء مراوحة سياسية حول أولوية إجراء الانتخابات الرئاسية (الأكثرية) أو أولوية تشكيل حكومة وحدة وطنية (المعارضة)، وهي مراوحة تواكبها الاستعدادات لمعركة الانتخابات النيابية الفرعية في بيروت والمتن الشمالي في 5 أغسطس المقبل، لانتخاب بديلين للنائبين الراحلين وليد عيدو وبيار أمين الجميل، وهي انتخابات أعلن كل من حزب الله وحركة أمل عدم الاعتراف بشرعيتها، لأنها تجري بإشراف حكومة تعتبر بالنسبة إليهما غير شرعية في غياب ممثليهما عنها.

كاتب لبناني

ghassan.habbal@albayan.ae