ارتبط مصطلح «التطرف» كثيراً بالتطرف الديني، ليس فقط لأن وسائل إعلام عالمية تبنت هذا المصطلح الذي أسست له ورعته وروجته حكومات كثيرة وجدت نفسها في مواجهة فعلية مع تنظيمات «دينية» ذات أطماع سياسية أو أهداف انتقامية من ظلم تشعر أنها مسؤولة عن مواجهته، ولكن لأن ثمة من يعبر عن رفضه لكل ما هو ديني بالتخفي خلف تهمة التطرف.
أصبحت كلمة «التطرف» لوحدها تعني ـ في الخطاب السياسي والإعلامي العالمي ـ التطرف الديني فقط. وإذا كان التطرف يعني تطرفاً دينياً فماذا يمكن تسمية الأنواع الأخرى من التطرف؟ إذا حاول «إسلامي» أن يفرض قناعته بالقوة أسميناه إرهابياً، ولكن إذا جاء آخر بفكرة ما وسعى لفرضها علينا بالقوة.. بماذا يمكن وصفه؟
الآن يجد المتدين ـ غير المؤدلج سياسياً ـ نفسه محاصراً بعيون كثيرة تراقب حركته وكل كلمة يقولها، وبمجرد أن يخرج عن دائرة ما تقاذفته تهمة التطرف وربما الإرهاب. ومثلما أن العنف يولد مزيداً من العنف، فإن الانسياق وراء «التهم المعلبة» يولد مزيداً من «التهم المعلبة» المتبادلة.
هذا ما قاد في ظني إلى هذا الانقسام الخطير داخل المجتمع الواحد، لأن الطرف المعتدل والمحايد اختفى أو تاه بين تيارين ينظران لبعض بتوجس وريبة. وفي الإعلام، نمارس لغة الإقصاء بوعي أو بدونه، مما جعل الإعلام طرفاً في قضايا ما كان يجب أن يكون طرفاً فيها، لأن واحدة من أهم آلياته الالتزام بالحياد والتعامل بعدل مع قضايا المجتمع خاصة تلك الشديدة التعقيد.
ولكن ما مناسبة هذا المقال؟
قبل أيام، جاء إلى مكتبي «صحافي» شاب لا أدري كيف خلط بين مهمة الصحافي ومهمة الناشط وكال التهم بالجملة ضد كثير من مؤسسات المجتمع وفعالياته دون أن يحاول معرفة الحقائق على الأرض. أن تتبنى قضية ما وتصبح أنت طرفاً فيها ولك موقف صريح تعلنه وتقحمه في عملك فأنت هنا تتجاوز أصول المهنة وتخل بشروطها.
إن الصحافي ـ وتلك من ألف باء العمل الصحافي ـ إن فقد هاجس الحيادية تجاه القضايا التي يكتب عنها ويحقق فيها يصبح بالتالي طرفاً في القضية وهنا يتحول إلى ناشط لا إلى صحافي من أهم مسؤولياته التدقيق في المعلومة وتنويع المصادر ورصد كل الآراء وسماع كل وجهات النظر.
كان زائري يطلق التهم بالجملة ودون توقف على كل ما هو ديني في مجتمعه إلى درجة أكدت لي أننا في الوسط الإعلامي (وكثير منا ينادي بإصلاحات سياسية) في أمس الحاجة إلى إصلاح إعلامي يحفّز لإعادة النظر في رؤانا وأدائنا وواقعنا.
كانت كل كلمة ينطق بها تعكس أنه فعلاً قد شرب من منبع آخر للتطرف والإقصاء، لا يسمى في الإعلام «تطرفاً» ولا «إقصاء» لأنه لا يرتدي شكلاً دينياً وإن كان في تقديري لا يقل خطورة وأكثر إقصاءً. كان هذا الشاب ينظر لكل شيء حوله وفقاً لفكرة «الأبيض» و«الأسود» ولا لون آخر بينهما أو حولهما.
واضح جداً أن لدينا جيلاً جديداً من الإعلاميين تربى على قناعة مفادها إن أقصر طريق للنجاح المهني يأتي بالسير على خطى من هم أكبر منه سناً ومنصباً في المؤسسات الإعلامية، وبالتالي ممارسة لغة «الشتيمة» ضد بعض تيارات المجتمع المحافظة، وهو لا يعلم أنه ربما يشتم أقرب الناس إليه من عائلته أو من دائرة أصدقائه.
سألته إن كان يفرق بين كتابة الرأي وكتابة الخبر أو التقرير أو التحقيق الصحافي، وأدركت أنه لم يتدرب أبداً على أبسط مفاهيم العمل الصحافي، لكنه يسير على خطى مديره الذي يخلط كل ألوان وأشكال العمل الصحافي وفقاً لموقف «مؤدلج» لا يقل تطرفاً عن أولئك الذين يريدون فرض آرائهم على الناس بالعنف.
لنكن أكثر عدلاً مع أنفسنا أولاً ونعترف بأن كثيراً من ممارساتنا الإعلامية لا تحتكم إلى رؤية مهنية تحكمها أصول مهنية لا تخضع للعواطف أو التوجهات أو المصالح الخاصة. وإذا كان هذا هو واقع إعلامنا فكيف يمكن أن يكون الإعلام أداة من أدوات الرقابة والإصلاح في المجتمع؟
كتبت وقلت في أكثر من مناسبة أنه لا يوجد لدينا في العالم العربي صحافيون حقيقيون ولكن لدينا كثيرون هم في الواقع «شعراء قبائل» لا صحافيون. مهمة شاعر القبيلة غير مهمة الصحافي الذي يفترض فيه رؤية الأشياء من حوله بنظرة شاملة واعية محايدة، وبلغة قوامها الموضوعية وتقصي الحقائق وفهم أبعادها. شاعر القبيلة تأخذه أحياناً العزة بالإثم فينطلق من باب الفزعة للقبيلة في المديح المطلق أو الهجاء الحاد، باسم القبيلة ومن أجل القبيلة ورؤوسها.
أسفت جداً وزائري الشاب (وهو يعتبر نفسه من رموز العمل الصحافي الجديد) يمارس دور «شاعر القبيلة»، لا دور الصحافي الذي لا يملك الحق في مصادرة قناعة الآخرين أو تجاوز الحقائق والقفز إلى خلاصة متطرفة أو غير عادلة، فقط لأن مديره قدمها له على طبق من جهل.
إذا أردنا أن يحترم مجتمعنا صحافتنا وأن تكسب ثقة الناس وتقديرهم، علينا أولاً أن نعترف بأن هناك أخطاء مهنية كبرى تمارس علناً، وأهمها انتقائية القضايا التي يشتد التركيز الإعلامي عليها وغض الطرف عن قضايا أخرى لا تقل أهمية أو خطورة، هذا الخلط المخجل بين (الرأي) و(التحقيق الصحافي) وبين أدوار الناشط والصحافي وبين شاعر القبيلة والإعلامي.
علينا أيضاً أن نقف وقفة جادة لمحاسبة الذات أولاً على أخطاء مورست ـ وللأسف لا نزال نمارسها ـ بتسرع أو بجهل أو بتوجيه أو بسابق إصرار!
فهل نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا؟
رئيس تحرير مجلة فوربز العربية