الطرد الأخير المتبادل للدبلوماسيين بين موسكو ولندن لم يأت من فراغ، ولم يأت نتيجة الحادث المعروف الذي أدى إلى مقتل المواطن الروسي الأصل البريطاني الجنسية الكسندر ليتفيننكو في أحد فنادق العاصمة البريطانية لندن على يد مواطن روسي آخر يدعى ديمتري ويعمل لحساب المخابرات الروسية المعروفة بالاسم المختصر الـ (كي جي بي).

ففي فحوى الحادث تشير مختلف المصادر بما في ذلك حتى البريطانية إلى أن المغدور كان في أساسه المهني ضابطاً مرموقاً في جهاز المخابرات الخارجية الروسية، قبل هربه إلى لندن ونيله الجنسية البريطانية قبل عام واحد فقط من قتله بجرعة إشعاع تم دسها في كوب الشاي الخاص به.

وتفيد المعلومات أيضاً بأن المغدور ربما كان يشكل حالة اختراق غربية في الجهاز المخابراتي الخارجي الروسي، لاسيما أن عمليات الاختراق المتبادل لم تكن لتتوقف بين العواصم الكبرى الواقعة على خط الصراع بين موسكو وواشنطن.

فقد شهد العقدان الأخيران عددا من الحالات المماثلة لهروب وفرار ضباط الاستخبارات وحالات الاختراق التي كشفت بين كل من موسكو من جانب وباريس ولندن وواشنطن من الجانب الآخر، وفي كل مرة من تلك المرات كان صراع الجواسيس هو الطاغي على سطح الحدث بالرغم من التبريرات التي كانت تساق من جميع الأطراف.

وفي الحدث الأخير تقول لندن إن المسألة لا تعدو كونها حدثاً جنائياً استدعى منها الطلب من روسيا ضرورة تسليم القاتل الموجود في موسكو إلا أن الأخيرة تقول إن القانون الروسي «لا يجيز محاكمة مواطن روسي خارج وطنه» وتضيف بأن «الأمر يتعدى الجريمة الجنائية»، والإضافة الروسية الأخيرة دقيقة وصحيحة وهي إضافة لا تخفي الجانب الجنائي في حدث هو بالأساس حدث سياسي يخفي وراءه هذا الكم الكبير من التركة الثقيلة التي مازالت تخيم على الأجواء الدولية بعد عقد ونيف من انتهاء الحرب الباردة.

فروسيا التي أضحت عام 1990 الوريث الفعلي لإمبراطورية الاتحاد السوفييتي تجد نفسها خاسرة وخالية الوفاض، تحن إلى الماضي القريب الذي كانت فيه قوة دولية هائلة ومقررة، زمن كانت تستطيع فيه أن تكبح الاندفاع الأميركي والغربي بشكل عام، كما كانت قادرة على الحفاظ على مصالحها في النطاق الاستراتيجي الدولي، بينما تجد نفسها الآن محاصرة هنا وهناك.

والنفوذ الأميركي يحيط بها خصوصاً في مناطق جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة، مع استمرار العبث الخارجي بأوضاعها الداخلية في مناطق جمهوريات الحكم الذاتي في منطقة القوقاز، والزنار المحيط بها عند تخوم جمهوريات آسيا السوفييتية السابقة (أذربيجان، قرغيزيا، تركمانستان، أوزبكستان، طاجكستان). والأدهى من ذلك أنها مازالت تعاني من وجود حالات الاختراق والجاسوسية التي تمس جهازها الخفي المسؤول عن أمنها «القومي».

وعليه نستطيع القول إن المسألة المتعلقة بإبعاد الدبلوماسيين بين العاصمتين البريطانية والروسية، مسألة سياسية بامتياز وتعيدنا إلى مرحلة هامة من مراحل صراع الجواسيس بين الغرب بشكل عام والاتحاد السوفييتي السابق، وهو صراع امتد عقوداً طويلة من الزمن سنوات الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي السابق والغربية بزعامة كل من الولايات المتحدة وانجلترا.

وفي حقيقة الأمر فإن الصراع السياسي إياه يلخص في جانب هام منه الحجم المتسع من الخلافات والتباينات بين الغرب وموسكو تجاه العديد من القضايا الدولية، من المسألة العراقية مع السطوة الأميركية على غنائم ما بعد الحرب هناك، إلى الملف النووي الإيراني إلى ملف الدرع الصاروخي في أوروبا.

وصولاً إلى الشرق الأوسط، الأمر الذي يفسر انحياز موسكو نسبياً إلى حركة حماس تجاه ما جرى مؤخراً من تطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحميلها الغرب مسؤولية انهيار حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي ولدت بعد اتفاق مكة التوافقي الفتحاوي الحمساوي.

وبهذا فإن تعقيدات آتية في ملف العلاقات الغربية وتحديداً الأميركية البريطانية مع روسيا، وهي تعقيدات تتزايد تحت جمر التباين في المصالح الكونية والاستراتيجية خصوصاً مع التذيل البريطاني التام للسياسة الأميركية، حيث لا يمكن أن تهدئها تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة بصدد مسألة الطرد المتبادل للدبلوماسيين بين موسكو ولندن.

فموسكو من وجهة نظر استراتيجييها ومنظريها لن تبقى تراوح مكانها بل ستسعى لاستعادة دورها ووزنها الدولي، والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين بالقضايا الكبرى الساخنة في العالم بعدم سنوات من التهميش والتجاهل بل والحصار الأميركي لدورها وفعلها.

كاتب فلسطيني ـ دمشق