لا أدري لماذا عرف شهر يوليو من بين شهور العام وعلى مر الأعوام بأنه شهر الحرية والثورة، بدءاً من الاستقلال الأميركي عن الاحتلال البريطاني بإعلان وثيقة الاستقلال التي بشرت بقيم الحرية والديمقراطية لأميركا والعالم في الرابع من يوليو..
ومروراً باستقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي وإعلان انتصار مقاومة ثورة التحرير الشعبية التي لم تتوقف على مدى مئة وثلاثين عاما في الخامس من يوليو، وبالثورة الفرنسية التي حطمت سجن الباستيل الشهير وأعلنت أول جمهورية وبشرت بشعارات الحرية والإخاء والمساواة في الرابع عشر من يوليو، وبالثورة العراقية في اليوم نفسه الرابع عشر من يوليو حيث أعلنت الجمهورية وغيرت الواقع الاقتصادي والاجتماعي العراقي إلى واقع جديد، وحررت المنطقة العربية من التبعية للأحلاف الأجنبية بخروج بغداد من حلف بغداد.
وانتهاء بأول ثورة عربية تحررية وحدوية نهضوية بعد الحرب العالمية الثانية هي الثورة المصرية في الثالث والعشرين من يوليو التي قلبت المعادلات التقليدية بأن جعلت الشعوب في موقع الهجوم ووضعت المستعمرين في موقع الدفاع حتى سلم بإرادة الشعوب وارتفعت رايات الاستقلال فبقيت إلى اليوم وعلى مدى خمسة وخمسين عاما بمبادئها وتجربتها وبشعبيتها وتقدميتها وبانتصاراتها بل وبانكساراتها تجربة حية وملهمة بأبعادها الوطنية والقومية وبآثارها الثورية في العالم الثالث كله.
وهي الثورة التي بشرت بقيادة جمال عبد الناصر الشعبية بمبادئ التحرر من الاستعمار وعملائه وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، ومقاومة الوجود الاستعماري ورفض الأحلاف وطرد القواعد العسكرية من الأرض العربية، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية ومقاومة الظلم الاقتصادي والاجتماعي الواقع على الغالبية الشعبية من الفلاحين والعمال بالقضاء على تحكم الأقلية الأرستقراطية من الإقطاعيين والرأسماليين وسيطرتها على الحكم وبتقريب الفوارق بين الطبقات وبناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة لرفع مستوى المعيشة للمواطنين وتحقيق الإرادة الحرة والكرامة الوطنية للوطن.
وعلى المستوى العربي أكدت الثورة المصرية الارتباط العضوي بين الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي ووقفت وراء قضايا كل شعب عربي ويكفي أن يد الشعب المصري كانت أول يد أسهمت بعد الثورة مع الشعوب العربية المناضلة في رفع رايات الاستقلال على الأرض العربية فانتقلت شعوب الأمة العربية كلها إلى جانب الشعب المصري دعماً لنضاله التحرري في جميع معاركه الوطنية.
لكن القوى الاستعمارية التي تمردت عليها الثورة المصرية وتحدتها بل وانتصرت عليها في العديد من المعارك لم تغفر للثورة انتصاراتها وأبرزها معركة الجلاء، ومعركة رفض الأحلاف العسكرية، ورفض القبول بالاستسلام للأمر الواقع لإسرائيل على أرض فلسطين، ومعركة تسليح الجيش المصري بكسر احتكار الغرب للسلاح، ومعركة استعادة قناة السويس، ومعركة العدوان الثلاثي الذي فشل في تحقيق أهدافه، ومعركة بناء السد العالي، ومعركة بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومعركة القومية العربية ضد الاستعمار والتبعية والسعي لبناء الوحدة العربية..
ولهذا نشأ ت أحلاف أخرى غير مقدسة بين الدول الاستعمارية المنسحبة من الأرض العربية وبين القوى السياسية والاقتصادية المعادية لتوجهات الثورة المصرية وللمد القومي التحرري النهضوي الوحدوي العربي، والتي ترتبط مصالحها بأوضاع ما قبل 23 يوليو أو بالنفوذ الأجنبي للثأر من الثورة في محاولة لإجهاضها تماما مثلما تحالفت الدول الأوروبية المعادية للثورة الفرنسية ونجحت في القضاء عليها وإسقاط جمهوريتها الأولى..
حاولت ذلك بعدوان الدول الثلاث عام 56 ولكن خرجت الثورة أقوى مما كانت عليه بل وتحولت إلى مصدر إلهام للشعوب الأخرى للتصدي للاستعمار وأعوانه وتحول جمال عبد الناصر إلى رمز عالمي لحركة التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وبعدوان عام 67 نجحت قوى الاستعمار في إلحاق أكبر هزيمة عسكرية ليس بالثورة المصرية فقط ولكن بحركة الثورة العربية كلها، ورغم احتلالها للأرض فشلت في احتلال الإرادة، ورفض الشعب العربي ورفض القادة العرب في الخرطوم القبول بالهزيمة وقرروا دعم المقاومة لتحرير الأرض وعودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وما تزال المقاومة مستمرة على امتداد الأرض العربية في العراق والسودان والصومال وفي سوريا وفي لبنان حتى تنتصر إرادة الشعب العربي لمبادئ الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.. وهى المبادئ التي تبقي من ثورة يوليو المصرية ملهمة ودافعة للمقاومة حتى اليوم للشعوب العربية.