الطفل حيث كان وأينما ولد، هو في النهاية أمانة ومسؤولية وحقوق تحتاج رعاية ومتابعة، هو أمانة، والديه ومسؤوليتهما قبل أي جهة أخرى، وأي محاولة لإلقاء المسؤولية أو اتهام أي جهة بالتقصير في حقه، كالفضائيات والأصدقاء والمدرسة والشارع والمجتمع، إنما هو نوع من التبرؤ من المسؤولية واستقالة من الدور الأكبر للوالدين في حياة أبنائهما، والزج بأطراف أخرى لتكون كبش فداء لإهمالهما أو تهاونهما، بالرغم من دور وأهمية تلك الجهات في عملية التنشئة والتربية، لكن يبقى للوالدين الدور الأول والأهم والأخطر.

والطفل في مجتمع الإمارات يتعرض لما لا يتعرض له أي طفل آخر، نظراً لتعقد عملية التربية وتعدد الأطراف المشاركة، والأهم الاختلافات العميقة جداً في الأصول الثقافية لهذه الأطراف، ففي الزواج المتعدد أو المختلف ثقافياً يتلقى الطفل تربيته من أب يختلف عن زوجته ثقافياً، وحين يذهب للمدرسة يتلقى توجيهات من معلمات ومعلمين متفاوتين ثقافياً أيضاً، وهو يتلقى ذات التربية المتعارضة فيما يراه ويتابعه عبر الإعلام والقنوات التربوية الأخرى.

إن الطفل كما يراه علماء السلوك والنفس والتربية والفلسفة، حقل أبيض نحلم أن نراه مليئاً بالثمر الطيب، ولذا علينا أن نحرثه بالخير والغرس الجيد كي يثمر الخير الذي ننتظره، علينا أن نزرعه بالمحبة كي يمنحنا في الأيام المقبلة البر والانتماء والولاء، أما أن يتضافر الجميع ـ آباء وأمهات وإعلام ومؤسسات تربية مجتمعية ـ على أن يحرثوه بالإهمال والقسوة والعنف ومفاسد الفضائيات ورفاق السوء ومباذل الشارع، فإن انتظارنا لثمرة طيبة من حقله سيطول كثيراً، وربما انتهى العمر من دون رؤية تلك الثمرة لأن حسابات الحقل ستخالف حسابات البيدر حتماً!

في مجتمعات الخليج ومجتمع الإمارات تحديداً، تشكل العولمة بكل إشكالها ومفاتيحها اكتساحاً لا سبيل للوقوف في وجهه ويشكل البذخ والمال والانفتاح مفاتيح شديدة الخطورة، وعلينا حسن التصرف إزاءها، لأن النظر إليها بلا مبالاة وبتهاون قاد إلى تكوين أجيال تعاني اختراقات البذخ، من استهتار إلى انعدام المسؤولية وشدة الدلال وقلة الانتماء.

وهنا نتذكر إزاء ما نراه اليوم طفولتنا وأيامنا، فإذا نحن إزاء جيل مختلف تماماً، جيل تفتح وعيه وعيناه على صباحات لا يختلط فيها وجه الأم بغير وجه الجدة والوطن، جيل يفيق على أصوات الأمهات، وتراتيل القرآن من فم الآباء، جيل لم يناد منذ الصباح سوى أمه وجدته وشقيقته ووالده، جيل فتح عينيه على ذائقة أهله في كل شيء، فتشبع بثقافته وتعمق بها، في إفطار الصباح، في حكايات الجدة حول الموقد، في رائحة والدته، في عطور جدته، في أدوات الصيد الملقاة في ركن قصي من البيت بانتظار موسم الصيد، في رائحة البحر، في أصوات النوارس وفي ... وفي ...

لم يفق ذلك الجيل يوماً على وجه فلبينية تكاد تخلع عظامه وهي تهزه لينهض صباحاً بكل ما أوتيت من تبرم ونقمة، لم ينم يوماً على مشاهد العنف والقتل والخلاعة والمجون.. كانت أحلامه طاهرة وكانت تربيته رضية.. جيل اليوم لم يختر زمنه، هو الزمن بكل اعتباراته ولا لوم على أحد.. لكن اللوم على من يستقيل من دوره دائماً بحجة أن التيار أقوى!

ayya-222@hotmail.com