بهدوء وبعيداً عن الضجيج بدأ القادة الأميركيون الحديث الحقيقي حول العراق، بعد إخفاق مجلس الشيوخ في إجبار الرئيس بوش على الانسحاب منه بحلول أبريل المقبل.

هذا الحديث لا يدور حول قيام الولايات المتحدة بسحب قواتها، فهذا أمر يبدو أنه بات مفروغاً منه. بل إن الإدارة الأميركية تعد العدة من الآن لتأجيل الجدل وعملية اتخاذ القرارات المترتبة عليه إلى مطلع السنة المقبلة. فبعد أن كان البيت الأبيض يوحي بالقول «أمهلونا حتى سبتمبر المقبل»، بات المتحدثون باسمه يؤكدون أن ما سيتكشف من حقائق بحلول ذلك التاريخ لن يكون كافياً كأساس لقرارات جديدة.

الحجة الرئيسية التي تستند إليها الإدارة الأميركية في عدم الإقدام على تحديد جدول للانسحاب من العراق، تتمثل في المخاوف من أن ينظر إليه على أنه نصر للمتطرفين والقاعديين و«الإرهابيين». وترتكز الاستراتيجية الجديدة التي تنوي الإدارة الأميركية الإعلان عنها على نقطتين: رفض الانسحاب من العراق، ومواصلة الحرب فيه إلى فترة زمنية قد تطول لثماني سنوات أو عشر أو أكثر. وما يؤكد هذا التوجه الثابت للرئيس بوش وإدارته هو قوله في مناسبات كثيرة: إن الانسحاب من العراق يعطي رسائل خاطئة «للإرهابيين»، وتصريح وزير دفاعه روبرت غيتس بأن قواته باقية في العراق لأمد طويل.

وفي واحد من التقارير الصادرة عن مركز «نيو أميركان سكيوريتي», يقترح المركز خفض حجم الوجود الأميركي في العراق خلال الفترة من الآن وحتى مطلع عام 2009 إلى 100 ألف جندي. لكن التقرير نفسه يقترح إبقاء 60 ألف جندي أميركي في العراق لمدة أربع سنوات بعد ذلك التاريخ، ليس لتدريب الجيش العراقي وإنما للعمل «مع الزعماء المحليين والإقليميين والعشائريين الذين يقاتلون القاعدة».

ولا يبدو واضحاً الآن ما إذا كان هذا البقاء الطويل للقوات الأميركية في العراق أمراً ممكناً أو مرغوباً فيه، لكن التقرير المذكور يدافع عن هذا الرأي ويظهر فائدته لثلاثة أهداف أميركية رئيسية هي: الحيلولة دون إقامة ملاذ آمن للقاعدة في العراق، ومنع حدوث مجازر جماعية، والحيلولة دون وقوع حرب بين الأقاليم. ويبدو أن الإدارة الأميركية بدأت تنتهج سياسة تسويق التقارير لتحضير الأرضية لاحتلال طويل الأمد للعراق باسم مكافحة إرهاب القاعدة، بعد أن أصبح واضحاً أن الحجج والمبررات الأخرى فقدت بريقها ومصداقيتها أيضاً.

فالنتائج الكارثية للحرب حتى الآن على المستويات السياسية والعسكرية والإنسانية، تظهر أن حصاد أربع سنوات لم ينجح في جعل العراق انموذجاً للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط، بل إن السياسة الأميركية في العراق تبدو في مأزق حقيقي. لذلك فإن منطق الأحداث والطريق الأسلم للخروج المشرّف من هذا المأزق يتطلب إعادة نظر جادة وموضوعية في الاستراتيجية الأميركية تجاه العراق، لمصلحة الولايات المتحدة نفسها ومصلحة العراق والمنطقة.. بل والعالم أجمع.