في هذا الزمن العربي الرديء، ووسط سطوة آلة الدعاية الأميركية العملاقة وما تضخّه من أموال وأفكار ومصطلحات مأجورة، بات الحديث عن العمل العربي المشترك نوعاً من التخيلات اللاواقعية البعيدة عن روح العصر، والمنطلقة من شعارات أكل عليها الزمان وشرب.
لذلك تبدو أخبار الخلافات العربية شيئاً عادياً، وكذلك مآسي الاحتلالات والتدخلات في العراق وفلسطين ولبنان والسودان، وهذا ما تريده آلة الدعاية الأميركية بالضبط.
إسرائيل تقتل من الفلسطينيين على مدار الساعة، وتعلن على الملأ رفضها الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفضها التوقف عن التوسع الاستيطاني، وإن تحدثت عن انسحاب جزئي فتصوّر ذلك على أنه منّة منها للفلسطينيين وليس امتثالاً للشرائع والقوانين الدولية التي تؤكد حق الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم.
الإدارة الأميركية تفرض بالقوة احتلال العراق، ولا تبالي بمليون عراقي زُهقت أرواحهم من جراء هذا الاحتلال، وبأربعة ملايين آخرين شردوا في الدول المجاورة وداخل وطنهم، وعندما تتحدث عن الحلول تبرز مباشرة مؤشرات المزيد من القتل والتدمير، وكأن العراق بأرضه وأهله وثرواته بات من ممتلكات هذه الإدارة مثله مثل حقول النفط في تكساس.
وإسرائيل والإدارة الأميركية معاً تلعبان بوحدة واستقرار لبنان، وتدفعان الأمور فيه وفق ما تريدان، وبما ينسجم مع مخططاتهما الاحتلالية، ولا مانع عندهما إن تمزّق لبنان أو دخل في دهاليز الفوضى، وتصريحات السفير جيفري فيلتمان تؤكد هذا التوجه الأميركي التخريبي في لبنان، وإسرائيل والإدارة الأميركية معاً تلعبان كذلك بوحدة واستقرار السودان، عبر دارفور، ولا تخفيان مخططاتهما التخريبية تجاه هذا البلد العربي الكبير والمهم.
وفي المقابل ماذا يفعل العرب في مواجهة كل هذا الذي يحدث في ديارهم، وعلى عتبات بيوتهم أحياناً؟ لا شيء مجدياً على الإطلاق، وليس هذا فحسب بل إن هناك من العرب من يدفع في هذا الاتجاه الأميركي ـ الإسرائيلي، وهنا مكمن الخطر.
وبالتأكيد فإن شيئاً من هذا لم يكن ليحدث لولا التغطية السياسية والإعلامية الأميركية التي تصوّر الاقتراب من إسرائيل إنجازاً ما بعده إنجاز على كل الصعد الأمنية والسياسية والديمقراطية.
ومع ذلك فهناك قناعة عربية لدى الشرائح الأوسع شعباً وحكومات أن هذه الأوضاع العربية المتدهورة حال طارئة آيلة للزوال في أية لحظة، وأن الشدائد هي اللحظة الأنسب لذلك، هذا ما يؤكده التاريخ العربي القريب والبعيد.
