عدة أحداث مرتبطة بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط وقعت دفعة واحدة هذه الأيام. إسرائيل أطلقت سراح ما يزيد على 250 أسيراً فلسطينياً شكّلت عودتهم إلى ديارهم وأهاليهم فرحة لآلاف الفلسطينيين، بينما اعتبره آخرون رشوة سياسية على طريق التسويات القادمة. وقبل يوم من ذلك اجتمعت مجموعة «الرباعية» حول القضية الفلسطينية والشرق الأوسط المكونة من الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، روسيا والولايات المتحدة الأميركية.
وهذا أول لقاء لها منذ سيطرت حماس على الأوضاع في قطاع غزة. ولأول مرة تنعقد في دمشق لقاءات جمعت الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بالرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله وبرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ومسؤولين من الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد بشر نجاد بعد هذه اللقاءات بصيف ساخن آخر في المنطقة بفضل ما وصفه بـ «انتصارات متتالية تحققها شعوب المنطقة».
ما المهمة الحقيقية التي جاء بلير لتنفيذها في هذه المرحلة؟ وما الظروف التي سيواجهها الممثل الجديد؟
الواضح حتى الآن أن الذي يلعب الدور الرئيسي في مباحثات الشرق الأوسط هو وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
ورغم إشادتها مقدماَ بالدور الذي سوف يلعبه بلير، إلا أنها حددت الملامح الأساسية لوجهة تطور الأحداث القادمة كما تراها الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن دور بلير ثانوي من جهة، ومن الأخرى تابع لسياسة الولايات المتحدة كما كان خلال السنوات الماضية. هذا بالتأكيد ما سيظل يثير حساسية روسيا تجاهه، حيث أبدت تحفظاتها على تعيينه منذ البدء. وستظل روسيا تعرقل خططه اعتماداً على ما سيفعله لجعل روسيا محشورة في إحدى زوايا «الرباعية».
إذن، التبعية لأميركا ومعاداة روسيا كلاهما سيشكلان قيوداً على قدرة بلير على المناورة. ويصدق هنا تماماً تشخيص رئيس معهد الشرق الأوسط في موسكو يفغيني ساتانوفسكي في مقابلة أجرتها معه البي بي سي لوضع بلير الجديد بأنه «يعمل من أجل أجره. نشط للغاية، سريع الحركة، يبتسم للكاميرات وقادر على «الشو». وهو إذ يبدو ملحوظاً تماماً، فإنه بالنسبة لأطراف النزاع الإسرائيليين والعرب ليس ذلك الـ «برسونا غراتا».
لقد أنيطت ببلير الآن مهام محددة تتلخص في تشكيل مؤسسات السلطة والمجتمع المدني وإشادة البنية التحتية، وخصوصاً الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية. إن مجال نشاطه محدد للغاية. فكيف سيتمكن من تحسين نظام الإدارة الفلسطينية في الوقت الذي لا يزال الكثير يعتمد على إسرائيل؟ أما بشأن البنية التحتية والاقتصاد الفلسطيني فمنذ سنوات طويلة قيل إن أحد عوامل زرع الاستقرار هو تحسين الوضع الاقتصادي.
وهنا أيضاً يعتمد الأمر على الموقف الإسرائيلي بدرجة رئيسية. فالمصدرون الفلسطينيون يشتكون من أن أهم المشاكل هي الإدارة والمعاملات عند 570 نقطة عبور مزدحمة إلى حد الاختناق الذي يخنق الاقتصاد كله. وإذا كان الوضع الاقتصادي كذلك في الضفة الغربية، فهو في قطاع غزة ليس عاجزاً عن التصدير فحسب، بل والإنتاج أيضاً.
وكما تحدثنا في مقال سابق فإن التفاوت المستمر في التطور الاقتصادي الاجتماعي بين الضفة والقطاع هو ذاته الجذر التاريخي لقيام سلطتين في داخل السلطة الفلسطينية أخيراً. وليس من العسير تصور أن بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية القادمة قبل إجبار إسرائيل على التخلي عن الاستمرار في تدمير المجتمع والاقتصاد الفلسطيني ودعم المجتمع الدولي لإعادة البنى الفلسطينية التحتية بشكل سريع، سيجعل من مؤسسات الدولة الجديدة معلقة في الهواء.
الخميس الماضي قال بلير في العاصمة البرتغالية لشبونة ان الدولة الفلسطينية لن تولد قبل أن تخلق لذلك ظروف محددة، ليس من وجهة نظر الرقعة الجغرافية فقط، بل ومؤسسات الدولة أيضاً. لكنه لم يفصح عما سيفعله حيال الدور الإسرائيلي المعرقل. الدورة القادمة (للرباعية) ستنعقد في سبتمبر القادم، حيث سيتعين على بلير أن يقدم تصوره للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المطلوب تحقيقها.
فهل سيعني ذلك، في إطار الظروف الحالية المحددة، أن الحديث يدور عن خلق دولة فلسطينية في الضفة الغربية، حيث تسيطر فتح بزعامة محمود عباس؟ أم عن إعادة توحيد أراضي السلطة الفلسطينية بالقوة ولو تطلب ذلك تدمير حماس كقوة قائمة على الأرض؟ وفي كلتا الحالتين تدخل القضية الفلسطينية من جديد نفقاً ليس في آخره ذلك النور الذي رآه الرئيس الراحل ياسر عرفات!
وهكذا فقد وضع بلير أمام مهمة «بناء» في وسط عوامل هدم. فليس له أن يتعامل مباشرة لا مع آثار الاحتلال الإسرائيلي ولا مع الوضع السياسي في داخل الأراضي الفلسطينية. فتلك مهام ظلت متروكة لغيره، وربما بمعزل عن «الرباعية» كلها.
قد يكون من الممكن تدمير حماس فيزيائياً، وقد يكون ذلك مطلوباً أميركياً ومن قبل أنظمة عربية ترى، وهو كذلك، أن حماس أصبحت ذراعاً إضافية لإيران في الشرق الأوسط. كما أن حماس ذاتها أحكمت طوق العزلة حولها بسبب عمليتها الانقلابية المدانة. لكن واقعية التشخيص تقتضي ملاحظة أنه في ظل الوضع المشبع بتنظيمات التطرف الإسلامي، تغيرت حماس إيجاباً بعد نجاحها في الانتخابات وتوليها السلطة بحيث أصبحت الأقل تطرفاً بين المتطرفين. لقد اضطرت إلى ممارسة نشاط دبلوماسي مساير إلى حد ما لخط منظمة التحرير على مختلف الصعد.
وقد ووجهت بانتقادات مريرة من جانب أيمن الظواهري الذي اتهمها بعدم الحزم السياسي. لكن مقابلة ذلك بالتصفيات العنيفة المدعومة إسرائيلياً وأميركياً، لن يسهل الوحدة الوطنية الفلسطينية بقدر ما سيدفع بالجميع إلى مستقبل مجهول ومفزع من الفوضى. ربما هي الفوضى الخلاقة إياها التي بشرنا بها مشروع الشرق الأوسط الجديد.
المسألة تكمن في أن الإدارة الأميركية الحالية حين تقود الدعوة إلى قيام الدولة الفلسطينية، تبدو بذلك مناقضة لطبيعتها. فهي في رؤيتها للعولمة تعمل على انتفاء مفهوم الدولة الوطنية أصلاً، وتنكر على الشعوب والبلدان حقها في تقرير مصيرها واختيار طريق تطورها.
«ما حك جلدك غير ظفرك»®. وما من حل للقضية الفلسطينية أو قضية الشرق الأوسط ما لم تأخذ دول المنطقة وقواها أدوارها الحقيقية، لأنها في كل الحالات هي التي ستجلس على طاولة المفاوضات أخيراً. والاقتراح العملي بالدعوة إلى مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية والشرق الأوسط، إنما جاء من هذه الأطراف قبل الولايات المتحدة.
كاتب بحريني