على خلفية التطورات الاخيرة في المشهد الفلسطيني، وعلى نحو خاص منها ما يتعلق برزمة بادرات حسن النية الإسرائيلية نتساءل: ما طبيعة صفقة المطلوبين الفلسطينيين؟ وما الأجندة الحقيقية التي تقف خلف الصفقة؟ ولماذا يسلم مقاتلو كتائب الأقصى أسلحتهم ويتعهدون بعدم القيام بأي هجمات ضد الاحتلال؟!
فهل انتفت وتوقفت مبررات المقاومة المسلحة لديهم؟ وهل نقول من الآن فصاعدا: وداعا ايها السلاح؟!
ثم هل يا ترى تعهدت إسرائيل في المقابل بعدم القيام بالاجتياحات والاغتيالات والمصادرات والاستيطان؟ وهل يأتي هذا التطور في سياق عملية سياسية او صفقة سياسية شاملة تقود حقا الى رحيل الاحتلال في الحاصل الاستراتيجي؟!
ثم لماذا توافق إسرائيل على عودة القادة الفلسطينيين الخمسة وفي مقدمتهم نايف حواتمة؟ ولماذا تطلق سراح 250 اسيرا فلسطينيا - وتحديدا فتحاويا - ومعظمهم لم يتبق على انتهاء مدد احكامهم الا القليل، علما بان قوات الاحتلال تعتقل العشرات وربما المئات يوميا؟!
فهل تغيرت السياسات الإسرائيلية هكذا بين عشية وضحاها، وتحولت إسرائيل الاحتلال والاستيطان والاجتياحات والاغتيالات إلى دولة وديعة والى رزمة من بادرات حسن النية؟! أم أن هناك وراء الأكمة الإسرائيلية نوايا وخططا وأهدافا خبيثة؟!
والاهم من كل ذلك: هل تأتي هذه التطورات الإعلامية المسرحية في سياق عملية سياسية، وفي إطار أفق سياسي حقيقي يفتح نافذة امل امام الفلسطينيين للحل ورحيل الاحتلال؟!
هي جملة من الاسئلة والتساؤلات تفرض نفسها على الاجندة السياسية الفلسطينية، في ظل هذا المشهد الفلسطيني الانشطاري القاسي!
ونقول إنها الجزرة الإسرائيلية المسمومة تتدخل بقوة في تشكيل المشهد الفلسطيني الناتج عن الصراع والاقتتال النكبوي الذي اودى بالوضع الفلسطيني الى ما هو عليه اليوم.
يتحدثون في إسرائيل عن رزمة البادرات الطيبة التي ستنفذها إسرائيل لتعزيز حكم ابو مازن، ومنها تحرير سجناء، وتبييض مطلوبين، ومنح اذن دخول لمسؤولين كبار من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية الى الضفة الغربية، وقد يضاف اليها تحريك بعض الحواجز العسكرية من هنا او هناك.
وكانوا قبل ذلك قد تحدثوا عن الفرصة التاريخية النادرة لإسرائيل، وعن شطب القضية الفلسطينية وتكريس الانشطار بين الضفة وغزة، فها هو المحلل السياسي ناحوم برنياع يؤكد في يديعوت احرونوت أن المصادمات الفلسطينية الداخلية التي تمنت إسرائيل حدوثها طوال سنوات تحدث أخيرا، وهاهو البروفيسور درور زئيفي يعرب ايضا في يديعوت احرونوت عن الفرحة العارمة قائلا:
أصبح واضحا تماما اليوم أنه يوجد كيانان فلسطينيان، أحدهما في غزة، والثاني في الضفة، وهذه فرصة نادرة لإسرائيل، ويضيف: لو كنا علماء نخطط لتجربة في المختبر، لما استطعنا أن نخطط لتجربة أكثر نجاحا: فلدينا جماعتان متمايزتان بوضوح، ومنفصلتان جغرافيا بلا اتصال بينهما تقريبا، تسيطر على كل واحدة منهما جماعة متجانسة نسبيا، وترفض الجماعتان محادثة بعضهما بعضا.
ويلحق بهما رافي ايتام الوزير الإسرائيلي عن حزب المتقاعدين ليعلن أن ما حدث في قطاع غزه أمر جيد لصالح إسرائيل (عن الإذاعة العبرية)، مضيفا: من الآن فصاعداً أصبح هناك كيانان فلسطينيان، واحد يقع في الضفة الغربية وآخر يقع في قطاع غزة، وهذا أمر جيد لنا، مستخلصا: فلنترك الفلسطينيين يذوبون في عصيرهم لمدة جيل أو جيلين من عمرهم، وبعد أن يعقلوا يمكن لإسرائيل حينها توقيع اتفاقية سلام معهم.
وفيما يقول المحلل السياسي لقناة إسرائيل الثانية أيهودي يعاري ان إسرائيل تستطيع الآن تسجيل انتصار كبير لها بعد أن قامت حركتا حماس وفتح بعمليات اغتيال متبادلة، يستخلص الكاتب المستشرق غي باخور في يديعوت قائلا: الدولة الفلسطينية تبددت في دقيقة صمت، مضيفا ان الفلسطينيين يعيدون كتابة تاريخهم من جديد.
اما في التداعيات العملية لهذا المشهد الفلسطيني على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، فكشفت يديعوت احرونوت النقاب عن ان رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت يعتزم التعامل مع الضفة وغزة ككيانين منفصلين ومنع أي اتصال بينهما، وهذه أصبحت حاجة ملحة.
وكشفت معاريف في موقع آخر قائلة: في ظل التطورات الدراماتيكية في مناطق السلطة الفلسطينية، فان اولمرت سيعمل على تكريس السياسة الإسرائيلية القاضية بوجوب خلق عزل بين مناطق الضفة وبين غزة، بهدف قطع قدرة التأثير لحماس في الضفة، وقال مصدر سياسي إسرائيلي كبير إن هذه مصلحة إسرائيلية، ويرى المقربون من اولمرت، وفقا للاذاعة العبرية، أن هذا الوضع يخلق أفضل توقيت لإسرائيل للانقضاض.
وهكذا نعتقد ان بادرات حسن النية المزعومة في ظل هذا المشهد الفلسطيني وفي ضوء الالتقاط الإسرائيلي لمعطياته كما جاء على ألسنتهم، ما هي سوى جزرة إسرائيلية مسمومة تقدم للفلسطينيين، تهدف الى تعميق وتكريس حالة الانشطار الفلسطيني، وحالة الفصل الجغرافي، الديمغرافي، السياسي، الاقتصادي والاجتماعي ما بين الضفة وغزة.
فحينما يشيد أولمرت على سبيل المثال بالإجراءات التي اتخذتها حكومة الطوارئ الفلسطينية ويرحب بها وفي مقدمتها حل الميليشيات ـ الكتائب المسلحة ـ وحظر حمل الأسلحة غير المرخصة، مؤكداً أن هذه الإجراءات ستساعد في توطيد التنسيق والتعاون بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ودفع العملية السياسية إلى الإمام، فانه يحق لنا ان نتوقف امام تلك الاشادة وذلك الترحيب، لنقرأ ما وراء هذا الكلام، ذلك أن ما يسر ويريح الاحتلال بالتأكيد لا يمكن ان يكون في مصلحة القضية الفلسطينية.
وحينما يذهب أولمرت ابعد من ذلك مشترطا العلاقة مع أبو مازن بالتزام الأخير بعدم تجديدها مع حماس عن المصادر العبرية /2007/7/3، مضيفا ومناورا: إن إسرائيل تنوي إزالة حواجز عسكرية بين المدن الفلسطينية، وزيادة حرية حركة الفلسطينيين بين المدن، ومردفا ان المقابل السياسي الذي ستحصل عليه إسرائيل يستحق زيادة هامش المخاطرة، فإننا يحق لنا ان نضع ايدينا على قلوبنا.
وإذا ما أضفنا لذلك جملة كبيرة من النصوص الإسرائيلية في الاتجاه ذاته، والمتعلقة بالمرسوم الرئاسي الفلسطيني الأخير الذي يعتبر كافة الميليشيات المسلحة والتشكيلات العسكرية او شبه العسكرية غير النظامية ايا كانت تابعيتها محظورة الوجود بكل الاشكال.
ويحظر عليها القيام بأي نشاطات سرية او علنية، وكل من يساعدها او يقدم اي خدمات لها يكون عرضة للمساءلة الجزائية والإدارية، وان على الحكومة إنهاء ظاهرة الجماعات المسلحة كافة، فإن هذا التطور يستدعي منا التوقف امام السؤال الكبير: طالما أن أنياب الاحتلال لا تزال بارزة، بل أشد ضراوة من اي مرحلة سابقة، إذن لماذا هذا التعجل في حل الكتائب المسلحة المقاومة الفلسطينية؟!
قد نتفهم ونستوعب إجراءات أمنية مثلا لوضع حد للفلتان الأمني، وقد نتفهم ونستوعب بل نطالب بإجراءات أمنية عاجلة وجادة جدا، لوضع حد للفساد المستشري في المؤسسات الفلسطينية ولظاهرة الثراء الفاحش على حساب المال العام الفلسطيني.
كان الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل قد كشف النقاب مؤخرا عن وجود مخطط أميركي لتصفية القضية الفلسطينية قبل انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش عام 2008، مشيرا إلى أن تعيين توني بلير مبعوثا للرباعية الدولية جاء جزءا من هذا المخطط الذي اقتضى أيضا الإبقاء على رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في الحكومة لتسريع إنجازه (عن فضائية الجزيرة 2007/6/30)، متسائلا:
ما معنى أن رئيس وزراء بريطانيا ينتهي اليوم من وزارته ويتم تعيينه كمبعوث للرباعية في الشرق الأوسط في اليوم التالي؟! هذا معناه أننا في الفترة المقبلة سنكون أمام ضغوط مهولة لتصفية القضية الفلسطينية، ليستخلص هيكل مؤكدا: نحن أمام تصفية القضية الفلسطينية وليس إيجاد حل لها، فمجيء بلير هو لفرض حلول فيها عنف، لأن الهدف هو التصفية من جانب الإدارة الأميركية.ولذلك نقول: لنقرأ ما وراء هذه البادرات ـ الجزرة المسمومة ـ الإسرائيلية.. ولنحاكمها وفق تطوراتها على الأرض.
كاتب فلسطيني