عندما تحدثنا عن تدني رواتب الصحافيين في المؤسسات الإعلامية في الدولة وتسببها في إحباطهم وانصرافهم للعمل في مؤسسات أخرى وان لم تكن إعلامية، كتب لنا قارئ سمى نفسه «رقيب» رسالة يقول فيها: ( لأول مرة نعرف أن الراتب هو العائق أمام الممارسة الصحافية الحقيقية، ترى: أين سقف الحرية، أين ثقافة الصحافي، أين المتطفلون على الصحافة، أين المطبلون، أين الإدارة الصحافية؟ فمن يوقظ هؤلاء، ومن سيقول لنا الأسباب الحقيقية الكامنة وراء عدم الممارسة الحقيقية للصحافي؟ ). انتهت رسالة القارئ.

نقول للقارئ إن تدني الرواتب وعدم تطوير أوضاع الموظفين في مؤسساتهم يعد من أهم الأسباب التي تجلب لهم الإحباط وتجعلهم يؤدون العمل من باب الواجب ليس أكثر، بغض النظر عن سقف الحرية وثقافة الصحافي والأمور الأخرى التي تحدث عنها. وهو الأمر الذي ينطبق بطبيعة الحال على كل موظف في أي مؤسسة حكومية أو خاصة يجد أن تقدير عمله وجهده لا ينعكس بشكل مواز على راتبه وترقياته.

كيف يمكن لصحافي، وان أتيح له سقف حرية عال، وان كانت ثقافته عالية وفي إدارة تعرف كيف تسير أمور مؤسستها، أن ينتج وان يجتهد ويبذل كل ما بوسعه في بحث ومناقشة قضايا المجتمع إن كان عقله يضيق بهموم حياته اليومية، من مسكن ومأكل ومشرب ومواصلات والتزامات أخرى لم يعد راتبه المتواضع قادرا على تلبيتها؟

كيف يمكن لهذا الصحافي أن يشعر بالراحة ويحسن استغلال كل الظروف المحيطة ليؤدي عمله الصحافي بمهنية عالية، طالما انه يرى المؤسسات التي يعمل فيها تمنح غيره من الموظفين أضعاف ما يستحقه تبعا لمزاج المسؤولين في هذه المؤسسات؟ كيف يشعر بالاستقرار وهو يرى كل الزيادات والعلاوات على الرواتب في القطاع الحكومي المحلي تذهب بعيدا عنه؟

الصحافي وان كان عاشقا لمهنته ومدركا لرسالتها ودورها نحو المجتمع، إلا أنه في النهاية لا يقوم بها كمتطوع، بل يعتبرها وظيفته التي يعيل بها نفسه وأسرته. فلماذا نعتبر الراتب مسألة بعيدة عن إحباط الصحافيين؟ ولماذا نستبعد كون الراتب عائقا للعمل الصحافي؟ هل لان الصحافيين يصبرون ويتجملون؟ هل ينسى بعضنا أخبارا عن صحافيين تلقوا هبات ورشاوى من بعض المؤسسات؟

لو كان هذا الصحافي مكتفيا براتبه ويرى انه يسد حاجته عن رشوة يتقاضها هل كان سيقبل الإساءة إلى مهنة يقوم بها من خلال الرشوة أو الهبة؟ هل كان سيقبل تزوير الحقائق لصالح تلك المؤسسات التي تدرك حاجته للمال فتغريه به؟

الصحافي في نهاية اليوم بشر، والبشر يختلفون في طبائعهم، فقد يكون هناك تاجر ويقبل رشوة، وقد نجد فقيرا يتعفف عن صدقة أحوج ما يكون إليها، لكن القاعدة ينبغي أن تكون في سد الثغرات التي تؤدي إلى إعاقة العمل الصحافي والتي منها جزالة الرواتب التي يطالب بها الصحافيون.

maysaghadeer@yahoo.com