تحتفل مصر اليوم بذكرى ثورة يوليو المجيدة، ورغم مرور 55 عاماً على ذلك الحدث المصري الكبير الذي وقع في فجر 23 يوليو عام 52، فلم يحظ يوم في التاريخ المصري والعربي بما حظي به هذا اليوم كواحد من أكثر الأيام تأثيراً على ما تلاه من أيام على مدى ما يزيد على نصف قرن، وبما لا يزال يحظى به والذي أظن أنه سيستمر يحظى به على مدى العقود التالية من احتفال وسجال، ونقاش وجدال، حركة كان أم انقلاباً أم ثورة منذ عام 52 وحتى اليوم كل من موقعه وموقفه.
وبهذا يستحق أن يكون واحداً من أهم الأيام التاريخية الكبرى لا المصرية فقط، بل العربية أيضاً بما شهده من فعل تاريخي، كبير في موقعه، عميق في جذوره، طموح في أهدافه، وطني في تعبيره، قومي في تأثيره، شعبي في اتجاه تغييره، بما يبدو الآن أحد أهم الأحداث تأثيراً على ما بعده وتغييراً على الخريطة السياسية والاجتماعية المصرية والعربية رأسياً وأفقياً، وفي ما تلاه من موازين على معادلات القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.
ذلك أن الحدث الكبير لا يتحول إلى حدث تاريخي بمجرد قرار رسمي باعتباره يوماً تاريخياً، ولا يحدث ذلك إلا باستمرار تأثيره الطويل وتغييره العميق في مسار تاريخ المنطقة التي وقع فيها، وبمدى التفاعل الشعبي والإقليمي والدولي مع هذا التأثير والتغيير حتى بعد أن ينتمي تأريخاً إلى الماضي وتاريخاً إلى الحاضر ليبقى ذاكرة حافلة بالتجارب والدروس في الطريق إلى المستقبل.
لكن الأيام التاريخية بأحداثها الكبرى تبقى ويجب أن تبقى مادة للدرس والتقييم الموضوعي والعلمي من جانب المؤرخين بكل المناهج التاريخية، للتوصل إلى رؤى واضحة يمكن احترامها، مهما اختلفت، عن مدى إيجابية أو سلبية هذا التغيير في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومدى لا محدودية أو محدودية هذا التأثير في المعادلات الإقليمية والدولية، بهدف رئيسي هو أن تحفظ الأجيال القادمة بعدها في حاضرها وفي ذاكرتها التاريخية من الدروس ما يجنبها الوقوع في سلبياتها وما يمكنها من الاستفادة من إيجابياتها في طريقها إلى المستقبل.
لكن المشكلة في النظر إلى قيمة هذه الأيام الهامة في تاريخ الشعوب تنبع من أن الناظرين بمناظيرهم المختلفة الألوان إليها ليسوا من المؤرخين فقط، مهما تباينت مناهجهم ومعاييرهم في الحكم على الأحداث، وإنما يشارك في النظر إليها لتقييمها أو لمحاكمتها أو لتشريحها العديد من السياسيين بمختلف تياراتهم وأحزابهم وأيديولوجياتهم ومصالحهم السياسية.. والإعلاميون بمختلف مدارسهم الصحافية.
وبمدى ما يتوفر لكل منهم من مساحة ضوء تتيح لهم وضوح الرؤية للحدث، وبمدى قربهم وبعدهم من دوائر الحدث ورجالاته، وبدرجة تأثير هذا الحدث في حرياتهم في التعبير عن انتماءاتهم الفكرية وما يرونه من وجهة نظرهم محققاً لمصلحة وطنية عامة أو شخصية خاصة أو العكس.
بالإضافة إلى العديد من الشرائح الطبقية والفئوية، التي تضررت أو استفادت، وبالتالي كانت في موقف الأصدقاء أو اتخذت موقف الخصوم أو الأعداء، مما يجرح العديد من شهاداتهم، ويشكك في العديد من رواياتهم، ولا يضع العديد من دعاياتهم أو دعاويهم محل الاعتبار الموضوعي، وإن كانت أصواتهم وانطباعاتهم بالقدح أو بالمدح جزءاً من السجال العام والجدل الدائر حتى وإن لم يتوفر لها القدر الكافي من المصداقية.
ذلك كله طبيعي، لكن يبقى كل حدث تاريخي محكوماً عليه بمبادئه وأهدافه وتوجهاته ورؤاه، في اتجاه الحرية أم التبعية، في اتجاه العدالة أم الظلم، في اتجاه التقدم أم التخلف، لصالح الغالبية الشعبية أم للأقلية الأرستقراطية، ثم بمدى نجاحه في تحقيق هذه الأهداف، ومدى الاتفاق بين شرف الوسائل وشرف الغايات، في ضوء شرطين هامين الأول كونه تجربة إنسانية لا ملائكية ولا شيطانية، والثاني هو الحكم عليه بمقاييس الظرف التاريخي الذي وقع فيه ومدى سلامة استجاباته للتحديات التي كانت مفروضة عليه.
وفي النهاية تبقى الغالبية الشعبية من الناس، من البسطاء والفقراء، ومن المتعلمين والمثقفين ومن العاملين والفلاحين، بما رأت وما سمعت وبعقلها وقلبها وبحسها ووجدانها، بعد الله، هي الحكم النهائي.