لماذا تدهورت علاقات روسيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى هذا الحد وبهذه السرعة؟ إن النزاعات حول توسع الناتو، الاتحاد الأوروبي، مراقبة الأسلحة، الحرب في البلقان، والتنافس الدولي على التأثير في داخل العديد من جيران روسيا، ولدت كثيراً من عدم الثقة المتبادل.
ولكن مخاوف الكرملين بشأن مستقبل روسيا تضيف المزيد إلى التوترات بطرق مهمة. وتناضل الحكومات الغربية الآن للتعامل مع حكومة روسية أقوى وأكثر حزماً وتأثيرها على مصالحها. ولكن القلق الروسي حيال المدى الزمني لاستمرار تلك القوة يلعب دوراً متزايداً في حساباتها السياسية الأجنبية والداخلية.
وأحدث مصدر للمتاعب ينبع من خطط أميركية لوضع عشرة صواريخ اعتراضية في بولندا ونظام رادار قوي في جمهورية التشيك. وتصر إدارة بوش على أن هذه الخطة أعدت لردع أي هجوم من إيران. ويذهب الكرملين إلى القول إنها تستهدف روسيا بالفعل.
انقضت أيام روسيا باعتبارها دولة سوفييتية سابقة عاجزة. ومنذ أن تولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في عام 2000، نما إجمالي الناتج المحلي بنسبة 8,6% سنوياً. التضخم، وهو تهديد مستمر طوال معظم أعوام التسعينات، استقر معدله عند رقم لا يصل إلى عشرة. وارتفعت أسعار النفط بصورة حادة، الأمر الذي ملأ الخزائن الروسية بالسيولة. واحتياطات القطع الأجنبي في روسيا تعد الآن ثالث أكبر احتياطيات في العالم.
وقد ساعدت هذه العائدات على جلب استقرار جديد، الأمر الذي سمح لبوتين وفريقه بالقيام بدور أكثر نشاطاً. وعلى الرغم من إصرار الولايات المتحدة على أن الدفاعات الصاروخية الجديدة لا علاقة لها بروسيا، إلا أن الكرملين يقول إنه يشعر بأنه معرض للتهديد والخداع. ويذهب المسؤولون الروس إلى القول إنهم «قبلوا» بتوسع الناتو ليشمل دول حلف وارسو مقابل التزام أميركي بعدم وضع الدفاعات الصاروخية هناك، وإن الخطة الحالية تنتهك ذلك الاتفاق.
ولكن المسؤولين الروس لديهم سبب أكثر إلحاحاً لـ «مواجهة الغرب»: حيث ان هذه المواجهة تحظى بالشعبية في الداخل. والنزعة المعادية لأميركا تزداد في مناطق عديدة في العالم، وروسيا بالتأكيد لا تعد استثناء من هذه القاعدة. وفضلاً عن ذلك، فإن النزعة الوطنية الروسية تواصل تعزيز العداء تجاه اتحاد أوروبي توسع، على غرار الناتو، إلى أرض سوفييتية سابقة. ونتيجة لذلك، فإن مقاومة الكرملين للـ «التربصات» الغربية هي بالتأكيد زيادة إضافية لشعبية في الداخل.
غير أنه إذا نحينا النزعة الوطنية جانباً، فإن هناك خوفاً مثيراً للإزعاج في الكرملين من أن قوة روسيا الجديدة لن تدوم. فروسيا تواجه ثلاثة تهديدات ناشئة يتجاهلها محللو سياستها الخارجية غالباً.
أولاً، سكان روسيا في تناقص. وزيادة معدلات الإصابة بالسل والإيدز والاستهلاك المتزايد لكل من السجائر والكحول، جعلت متوسط العمر المتوقع بالنسبة للرجال 59 عاماً. وفي عام 2000، كان هناك حوالي 146 مليون مواطن روسي. أما اليوم فهناك حوالي 142 مليون مواطن. وحذر مسح أخير أجرته الأمم المتحدة من أن السكان قد ينخفض عددهم بمقدار 40 مليوناً خلال العقود الأربعة المقبلة. وهذا ليس توقعاً مشجعاً لاحتمالات الاقتصاد بعيدة المدى.
ثانياً، أن الحكومة لا تستثمر ما يكفي من أرباحها النفطية في البنية التحتية للطاقة. وقد أعربت وكالة الطاقة الدولية رسمياً عن مخاوفها حيال «التأميم الزاحف في قطاع النفط»، مشيرة إلى أنه فيما يتجه الإنتاج من الحقول التي تنضج بسرعة إلى غيرها والتي ستبرهن على أنها أصعب وأكثر كلفة في تطويرها، فإن روسيا التي تعوق إمكانات الاستثمار الأجنبي ستناضل للاحتفاظ بمستويات الإنتاج على مر الزمن.
بتعبير آخر، فإنه فيما تمس الحاجة إلى المال للاستثمار في بنية تحتية جديدة، فإن الكرملين اختار تقليل الإنفاق. وأثارت وكالة الطاقة الدولية أيضاً قلقاً حيال عدم الملاءمة للبرامج «المالية، والقانونية، والإصلاحات التنظيمية» الروسية. باختصار، فإن الحكومة الروسية ومؤيديها في صفوف النخبة التجارية يشترون قوة سياسية قصيرة الأجل على حساب الاستثمار في نمو البلد بعيد المدى.
ثالثاً، لا يزال العديد من أكثر رجال الأعمال نجاحاً في روسيا ينظرون إلى بلدهم باعتباره موّلداً للثروة ولكن ليس باعتباره رهاناً سليماً للاستثمار بعيد المدى. وأي تزايد كبير في عدم الاستقرار السياسي من شأنه أن يولد مستويات داعية للقلق من هروب رأس المال. بصورة خاصة، تزيد الانتخابات التشريعية في ديسمبر المقبل والانتخابات الرئاسية في مارس المقبل من خطر قيام المستثمرين، الخائفين من أن أصدقاء معينين في مناصب عليا قد يفقدون تأثيرهم، بحماية الأصول عن طريق نقلها إلى الخارج.
إن الكرملين يدرك جيداً نقاط الضعف بعيد المدى هذه. وقد تقدر النخبة الحاكمة في روسيا أن كسب الدعم المحلي من خلال تحدي أكثر الحكومات ثراء وقوة في العالم سيصبح أكثر سهولة من موقع القوة اليوم أكثر منه من موقع الضعف النسبي المستقبلي.
وعلى امتداد عدة أعوام مقبلة، فإن الاقتصاد الروسي، الذي يدعمه النمو القوي في الاستهلاك المحلي، سيستمر في النمو. والاستثمار الأجنبي المباشر سيستمر في التدفق إلى العديد من قطاعات الاقتصاد. ستعزز أسعار النفط المرتفعة الفوائض الروسية، ولكن المخاوف بالنسبة للمستقبل الأبعد مدى تساعد في إقناع النخبة الروسية بأنه من الأفضل كسر المعارضة المحلية الآن بينما النقاد السياسيون، وأجهزة الإعلام المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني ضعيفة، والحكومة تحظى بالشعبية وتنهال عليها أموال النفط.
إن حقيقة أن سياسة روسيا الخارجية التي تنزع أكثر نحو المواجهة تصدر عن اعتبارات محلية، ستجعل من الصعب على المفاوضين الأميركيين والأوروبيين أن يجدوا طرقاً لحل النزاعات المستقبلية. وإذا كان الكرملين يميل إلى وضع العراقيل أكثر من الاتفاق، فإن الأمل يتضاءل في أن التدهور البطيء والمنتظم في علاقات روسيا مع الغرب يمكن أن ينقلب إلى العكس في أي وقت قريباً.
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص ل«البيان»