قبل خمس عشرة سنة إلا بضعة أشهر، وعلى وجه التحديد في أكتوبر من عام 1992، عقد المؤتمر الثاني للصناعيين الخليجيين ونظرائهم الأوروبيين، في مبادرة لا تخلو من رؤية صائبة في الأجواء الملبدة بالغيوم، وحراك في المسار الصحيح على الدروب الشديدة الوعورة.
والمؤتمر يوشك على اختتام جدول أعماله، ارتجت قاعة المؤتمرات بفندق شيراتون الدوحة للقنبلة الصوتية المدوية التي فجّرها الخليجيون في وجه نظرائهم الأوروبيين بالسؤال القديم الجديد: أين مزاعمكم معشر الأوروبيين بنقل التقنية؟ إن الآلات والأجهزة التي نستوردها منكم متخلفة بعشرات السنين عما تستخدمونه في مصانعكم، بل وعما ترسلونه إلى الدول الآسيوية الأخرى.
وخيم الصمت على المعسكر الأوروبي زمنا استغرق الفترة ما بين وقت السؤال في الواحدة ظهرا، ووقت الرد في الرابعة والنصف عصرا، وكان الرد قنبلة فراغية وقعت على الجانب الخليجي كالصاعقة ولم يُفق منها كما أزعم جازما إلى يومنا هذا، إنه بالأحرى درس في الفرق بين نقل التقنية واقتناء التقنية.
لم يكن الرد تهديدا هستيريا بالغزو ومسح الدول من الخرائط الجغرافية الطبيعية كما صنعت أمريكا في أفغانستان والعراق ونفذته في اليوم التالي، ولم يكن إملاء سياسيا كإملاءات أمريكا بتطبيق الديمقراطية على طريقة طهي الهمبورغر، كما أنه لم يكن فرمانات أو أوامر اقتصادية كأوامر صندوق النقد الدولي الذي لا يفقه من وسائل تطوير اقتصاد الدول التي يقع أكثر من 40% من سكانها تحت حد الفقر المدقع إلا برفع الدعم الحكومي عن القوت اليومي لأولئك الجياع. بل جاء رد الجانب الأوروبي استعراضا لماهية نقل التقنية ومفاهيمها ومنهجيتها، وساق الرد مثالا تطبيقيا حيا وناجحا لنقل التقنية، أخذ صورة مشروع محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في إندونيسيا.
لقد نفذت الشركات الأوروبية المشروع بالكامل، ولكن حسب الشروط التي حددتها الحكومة الإندونيسية، تلك الشروط التي نقلت التقنية والمعرفة قبل أن تنقل الكونكريت والقطع المعدنية، وجاءت مسيرة النقل الشاقة والطويلة والمعقدة من خلال مشاركة العقول والكفاءات الإندونيسية في المشروع من ألفه إلى يائه مع الأوروبيين كتفا بكتف، فقد شاركت فرق العمل التي شكلوها كتلاميذ ومتدربين في جميع مراحل المشروع، من الدراسات إلى التصميم المعماري للمحطة إلى التصميم الهندسي والميكانيكي للمعدات إلى تصنيع المعدات قطعة قطعة إلى تركيبها في الموقع إلى الإدارة والتشغيل إلى الصيانة.
وكان أهم بنود الاتفاق، أن يدير الإندونيسيون المحطة بأنفسهم 100% خلال سنتين من اكتمال المشروع، وعندها نفض آخر الأوروبيين غبار قبعته واتجه إلى المطار ليعود من حيث أتى، لتبقى المحطة ولتدار وتصان وتطور وتبنى على منوالها عشرات المحطات بأيدٍ إندونيسية، وهكذا فإن الإندونيسيين لم يشتروا من الأوروبيين محطة جاهزة، بل تعلموا بالمعرفة التي انتقلت إليهم، كيف يبنون محطة للطاقة.
اليوم، أي بعد إهدار 15 سنة تلت ذلك الدرس التاريخي، ما زلنا هنا في دول الخليج العربي نعاني من حالة انعدام الوزن، ولم نتعلم حتى أبسط أبجديات نقل المعرفة أو نقل التقنية، والأسباب عديدة، على رأسها الاتكالية المتولدة عن طريقتنا في التفكير، وهذه بدورها ناشئة على خلفية الثروة التي هبطت علينا من السماء دون أن تلفح شمس صيفنا المتوحش بشراتنا الحساسة، ودون أن تنهك عمليات نصب أبراج الحفر عضلاتنا الرخوة.
ودون أن تزعج الأساليب الهندسية والفنية لاستخراج النفط وشحنه وتصديره خلايا أمخاخنا النائمة، ودون أن توتر الصفقات والحسابات المعقدة لبيع النفط وقبض ثمنه أعصابنا المسترخية. على هذه العقليات المتخشبة عششت تلك الاتكالية، وعلى جنبات طرق الحياة التي نفضلها قصيرة ومفروشة بالحشائش والورود، ومظللة بالركون إلى حياة الترف والبذخ والاستهلاك، تبلدت مشاعرنا على الإيمان بأن المال المكتسب بلا تعب ولا نصب ولا عرق ولا دموع يمكنه أن يجلب أي شيء، وكل شيء.
وبالتبعية، ترعرعت قناعاتنا بأن طريق نقل المعرفة والتقنية وعرٌ وشاق وبعيد الآماد، ولسنا نحن الذين اختارهم الله للمغامرة بارتياده، لأنه طريق محفوف بالكثير من الجهود والتضحيات والإرادة الصلبة والصبر والإخفاقات. وأخيرا استسلمنا لأوهامنا بأننا لا نملك من وقود العبقرية الصناعية لا عند رجال الأعمال ولا المسؤولين الحكوميين ولا الكفاءات الصناعية التي تقف وراء النهضة الصناعية والتقنية واستثماراتها، إلا عشر معشار الوقود الذي تتعطش إليه شرارة البداية.
من أسباب عدم استيعاب الدرس، هو أسلوبنا في العمل الفردي، الذي جرّنا إلى التعامل مع القضايا الحرجة والجوهرية بالمنظور الشخصي، والجهود المبعثرة المتعثرة التي لم تتأطر في عمل مؤسسي، ولأن الذين كانوا موجودين في المؤتمر من وزراء الصناعة ووكلائها لم يتعاطوا مع القضية إلا من منظور شخصي، وفي أحسن الظروف من المنظور القُطري وليس من المنظور الإقليمي.
ومن منظور القناعة الشخصية وليس من منظور التخطيط المنهجي، ومع هذا فإنهم لما تركوا مناصبهم في غضون السنين الخمس عشرة الفائتة، لم يبدأ الذين جاؤوا من بعدهم أو حلوا محلهم من الأرضية التي مهّدها أولئك الذين استوعبوا الدرس، بل عادوا أدراجهم إلى نقطة الصفر، ثم بدأوا من جديد، وأيضا من منظور قناعاتهم الشخصية وليس من منظور التخطيط المنهجي، وربما بمفاهيم مغايرة للدرس الذي تلقنه من كان قبلهم.
من تلك الأسباب، اعتماديتنا على القرار السياسي، فبدون هذا القرار لا يتحرك ساكن ولا يسكن متحرك، ولأن الوصفة الأوروبية لم تجد من يضعها على قائمة اهتمامات القيادة السياسية، ولم تخرج إلى دائرة الضوء السياسية، حتى تبدأ تفاعلاتها التشريعية والاقتصادية والتربوية والإعلامية، فقد كتب عليها أن تظل حبيسة قمقم الوثائق التاريخية بمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية.
من تلك الأسباب أيضا، تقديم المصالح والطموحات الشخصية للوصول إلى الثروة والمناصب على المصلحة العامة، وهذا ما يحول نهر الطاقات والجهود من مجرى المصلحة العامة إلى مجرى المنافع الشخصية، وتتفتق هنا عبقريات الارتشاء والفساد والإهمال وحرق المنافسين على المنصب، وغض الطرف تماما عن تلك الأساليب الجادة والصعبة التي تتطلب تخطيطا وتنظيما وحشدا للموارد ومتابعة دؤوبة، وتتطلب عرقا وأعصابا فولاذية وعقولا متوهجة وتضحيات قد لا يخرج الفرد منها لنفسه إلا بما يكف عنه مؤونة استجداء لقمة العيش، فهذا وحده طريق بناء الدول ونهضتها ورقيها واستعادة كرامتها.
هناك أيضا عجز المنظومة التعليمية بمدارسها الفنية وكلياتها التقنية وجامعاتها عن الوفاء باحتياجات المنظومة الصناعية من المدخلات البشرية، ورغم محاولات الجامعات المترددة في النزول من أبراجها العاجية إلى سوق العمل إلا أنها لم تنجح إلى الآن إلا في نزول درجة أو درجتين، وما زالت تنظر إلى المسألة بالمقلوب، فبدلا من أن توفر لسوق العمل احتياجاتها من المدخلات، فإنها تنتظر من سوق العمل أن تكيف نفسها مع مخرجات المنظومة التعليمية، كالنهر الموحل الذي لا يمد الناس بالماء، ولا يجد الناس فائدة في الوحل الذي يمتلئ به.
من أبرز الأدلة على أننا لم نفقه الدرس إلى الآن، وأننا غير قادرين على الخروج من عباءة محاكاة التقنية وليس نقل التقنية، أن مشروعات الأمن الغذائي التي نفذناها كانت في الغالب لإكثار البقر والدجاج، وحتى هذه نستورد سلالاتها مع معدات مزارع إكثارها، ولم يفكر أحد يوما في إكثار حيوانات بيئية أكثر قابلية للاستغلال الاقتصادي والتجاري، كالإبل أو أشجار النخيل أو غيرها.
وبغض النظر عن بعض المشروعات المتولدة عن جهود فردية ومتواضعة، فإن استغلال الإبل والنخيل لم يبلغ الحجم الاقتصادي المؤثر في إجمالي الناتج المحلي، ناهيك عن مساهمته في الإنتاج العالمي، فيما هناك دول يقوم اقتصادها على إنتاج الآيسكريم، لا لشيء، إلا لأننا إلى الآن لم ينصحنا خبير أزرق العينين وذو شعر أشقر بالكيفية التي نستفيد بها اقتصاديا من إبلنا ونخيلنا.
كاتب إماراتي