بين ترحيب مطلق، وآخر حذر، وثالث مفعم بأمل، جاء رد العواصم العربية على الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش لعقد مؤتمر دولي بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الخريف المقبل لإعادة إطلاق عملية السلام.
وقبل الإمعان في المواقف العربية من دعوة بوش، وبعد ساعات قليلة على إطلاقها، سارع البيت الأبيض الأميركي إلى التأكيد على أن الأمر «لا يتعلق بمؤتمر كبير للسلام» متراجعا بذلك عن توصيف بوش، بل «باجتماع للجلوس إلى طاولة ومحاولة التوصل إلى سبل إقامة مؤسسات أساسية للفلسطينيين تتيح لهم إدارة شؤونهم بأنفسهم والحصول على الديمقراطية».
هكذا جاء التراجع الأميركي سريعا، حتى لا تثار ـ كما أعلن البيت الأبيض ـ آمال عريضة على هذه الخطوة التي وقف عندها كثير من المراقبين بالتحليل والدراسة. فتوقيت الدعوة الأميركية، وبغض النظر عن تسميتها «مؤتمر» أو «اجتماع» يأتي في الحقبة الأخيرة لحكم الرئيس بوش، بعد فشله الذريع في العراق، ومحاصرة الديمقراطيين له، ومعارضتهم لكل خططه في أرض الرافدين، وسعيهم لسحب القوات الأميركية منها.
وبعبارة أخرى فإن البعض يرى أن الرئيس بوش، ومن خلال تلك الخطوة، يحاول التغطية على إخفاقاته في العراق بإحراز تقدم ولو شكلي على جبهة أخرى في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق يتساءل المراقبون: أين كان بوش من دعوته لرؤية دولتين فلسطينية وإسرائيلية عام 2005، ولماذا لم يعمل على تحقيق «حلمه»؟
ولعل أخطر ما في دعوة بوش وكلماته الأخيرة هو تجاهلها التام والواضح للقضايا الرئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وغياب الإشارة إلى المستوطنات والقدس واللاجئين وحق العودة وقيام الدولة الفلسطينية.
وإذا كانت بعض العواصم العربية قد رحبت بحذر بدعوة الرئيس بوش ورأت فيها «نقاطا ايجابية»، إلا أن التعامل المفروض معها يقتضي الحرص والتأني، لأنها ببساطة تنحي القضايا المصيرية للفلسطينيين جانبا، وتقدم لهم بدلا من ذلك تسهيلات إدارية لتسيير شؤونهم اليومية.
وفي هذا السياق يمكن القول إن الآمال التي علقتها بعض العواصم العربية على «إدراج دعوة بوش ضمن جهد دولي جاد يعالج القضايا الجوهرية بعد فشل الحلول الجزئية» لا تعدو أن تكون آمالا فقط. ولقد أكدت إسرائيل من جانبها رفضها التفاوض مع الفلسطينيين في هذه المرحلة حول القضايا المصيرية الثلاث «الحدود واللاجئين والقدس» واستعدادها للتفاوض فقط حول قضايا الأفق السياسي، من خلال «اجتماع» وليس مؤتمر دولي.
ولعل السؤال الأهم هو: أين المبادرة العربية، ولماذا ترحب بعض عواصمنا العربية بدعوة بوش إلى عقد مثل هذا الاجتماع طالما لم يلب الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة؟ وإذا كان سيد البيت الأبيض جادا في سعيه نحو تحقيق السلام وتحقيق «حلمه» برؤية دولتين قبل مغادرته هذا البيت، فلماذا ينحى المبادرة العربية جانبا؟
ومن من الفلسطينيين سيدعو بوش لهذا الاجتماع الذي يراد منه صراحة تقسيم ما بقي من فلسطين إلى دويلات، إحداها في غزة غير معترف بها دوليا، والأخرى في الضفة الغربية يلقى فيها الفلسطينيون المعونة والمساعدة لقضاء احتياجاتهم الضرورية.
وإذا كان لبوش حساباته قبل أن يغادر البيت الأبيض، وهي بالطبع لا يمكن فصلها عن مصالح إسرائيل من جهة، أو عن خططه في العراق من جهة أخرى، فإن الفلسطينيين ومعهم عواصمنا العربية غير مضطرين للسير في هذا النهج الذي يجزئ القضية الفلسطينية، التي كانت يوما قضية العرب الأولى،
ويكرس حالة الانقسام بينهم. كما أن عواصمنا العربية مدعوة بدلا من ذلك إلى الالتفاف حول مبادرتهم التي أقروها، والتمسك بها وترويجها على الساحة الدولية وإقناع العالم بوجاهتها وعدالتها بالنسبة للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
وفي النهاية يبقى تساؤل: هل لدى العرب القدرة والرغبة في تحقيق ذلك؟